كتب عباس صباغ في «النهار»: منذ أكثر من شهرين، انقطعت خطوط التواصل المباشرة وغير المباشرة بين رئاسة الجمهورية و«حزب الله». ولدى الاستفسار عن ذلك، تجيب مصادر مقرّبة من الرئاسة بأن «الطرف الآخر يعرف أين يقع القصر الجمهوري، وكذلك يعرف طرق التواصل معه». والحزب، الذي يحسب نتائج أي حركة غير سياسية في هذه المرحلة، ليس في وارد استخدام الشارع لإسقاط اتفاق الإطار، ما دام بري غير متحمّس لأي حراك من هذا القبيل.
ولا يعلّق «حزب الله» على السؤال المباشر عن أي تحرّك مستقبلي ترجمةً لاعتراضه السياسي والشعبي الشديد والمعلن، سواء على التفاوض المباشر أو على الاتفاق الذي نتج عنه. وتجيب مصادره «النهار» بسؤال: «ماذا حققت المفاوضات المباشرة منذ منتصف نيسان الماضي؟ وما المكاسب التي جناها لبنان منها ومن اتفاق الإطار؟ فهل توقفت الاعتداءات على الرغم من التزام المقاومة وقف النار المعلن؟».
وتفيد إحصاءات سريعة للفترة التي تلت بدء المفاوضات المباشرة، ثم الإعلان الرسمي اللبناني لوقف النار في 17 نيسان الفائت، بأن عدد الضحايا ارتفع من 2294 إلى 4346، بحسب آخر إحصاء لوزارة الصحة العامة. كما ارتفعت الحصيلة من 4246 إلى 4346 خلال الفترة الممتدة من 26 حزيران إلى منتصف آب الحالي، أي بعد إعلان توقيع الاتفاق الإطاري. أما التفجيرات وأعمال التجريف في البلدات الجنوبية، فسُجّل 1061 تفجيراً منها خلال الفترة الممتدة من نيسان حتى تاريخه، وقد سُجّلت غالبيتها العظمى بعد وقف النار، واستمرت بوتيرة متصاعدة بعد الاتفاق.
وكتب نبيل بو منصف في «النهار»: قد يكون من الخطر اختصار المشهد اللبناني راهناً بترقّب معركة لا بد من حصولها، هي معركة علي الطاهر، التي يكاد يكون هناك إجماع غير مسبوق، عسكرياً ودبلوماسياً وإعلامياً، على أنها ستقع قبل انتخابات تشرين الأول في إسرائيل.
إن العدّ العكسي الجاري لمعركة السيطرة الميدانية الإسرائيلية على مرتفع علي الطاهر يشكّل بؤرة توهّج مستمرة، مهددة في أي لحظة باشتعالات واسعة، إلى أن تنفجر حرب مصغّرة أو موسّعة «في حينه». والأخطر أن العدّ العكسي لمعركة علي الطاهر علّق بالكامل مندرجات اتفاق الإطار.
وسيظل باب الخيبات مفتوحاً أمام غالبية المراهنين على تراجع إيران عن استثمار لبنان ساحة استباحة مستدامة، تتبادل فيها الخدمات مع عدوتها المزعومة إسرائيل. وفي ظل موجة الاستقواء الإيرانية الأخيرة، يتعيّن على لبنان أن يستعد تماماً للحرب الزاحفة. فقد كشفت الاستعدادات للحرب وقائع كارثية إضافية على لبنان، تضعه في صلب المشهد الانتخابي الإسرائيلي من جهة، والتحوّل الإيراني تحت وطأة نشوة النجاة من الهزيمة النهائية من جهة أخرى.
وتهديدات «حزب الله» للسلطة اللبنانية ولسائر اللبنانيين بالغضب الآتي، ليست سوى مقدّمات للتهديدات التي أطلقها «الحرس الثوري الإيراني» في الساعات الأخيرة عن «مفاجآت استراتيجية» عابرة للشرق الأوسط. ولا تنقص اللبنانيين التجارب التي تدفع إلى الخوف من أن ما أعقب حرب تموز 2006 من اهتزازات وانقلابات داخلية قد يكون الأقرب إلى ما يُعدّ للبنان «كقيمة إضافية» بعد علي الطاهر.
وكتبت روزانا بو منصف في «النهار»: منذ بداية العهد الرئاسي الحالي، طُرحت أمام الحزب معادلة تقضي بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، كي لا يضطر إلى التخلي عنه لمصلحة إسرائيل وتحت ضغطها، من دون أن تحقق هذه المعادلة نتيجة إيجابية تُذكر. ولا تزال المعادلة سارية حتى بعد انخراط الحزب في حرب إسناد جديدة لم يسجّل فيها انتصاراً، ويبدو مضطراً إلى الركون لإيران لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لمصلحتها في لبنان.
لكن ذلك لا يعني أن لبنان لا يواجه مشكلة كبيرة. فقد فرضت إيران نفسها شريكاً في الملف اللبناني عندما فرضت إدراج لبنان في مذكرة التفاهم ووضعته بنداً أول فيها. واللافت أن واشنطن وافقت على ذلك، ما سمح لإيران بالادعاء بأنها هي من أتت بوقف النار في لبنان، وأن الولايات المتحدة، برئاسة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وبمشاركة كامل الطاقم التفاوضي الأميركي، أقرت بنفوذها في لبنان.
ويرى مراقبون أن الدولة عجزت حتى الآن عن إقناع الحزب بالخضوع لإرادتها والتزام قراراتها، فضلاً عن رفضه الالتزام باتفاق الإطار الموقّع مع إسرائيل. ونتيجة لذلك، تدور مسألة تنفيذ اتفاق الإطار والمناطق التجريبية في حلقة مفرغة. وتبقى كيفية التعامل مع إيران مسألة ملحّة تطرح نفسها على الدولة اللبنانية، من أجل استكشاف سبل تعاملها مع الحزب والضغط عليه ليتصرّف بإيجابية مع الدولة.
وحتى الآن، اتخذت السلطة التنفيذية إجراءات لم تعتبرها إيران ودّية تجاهها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الثنائي الشيعي الذي تحدّى الدولة، علماً بأنه يشكّل جزءاً منها ومن مجلس الوزراء. ولا تزال طبيعة الاستراتيجية اللبنانية للتعامل مع إيران غير واضحة، كما ليس معلوماً ما إذا كانت هناك استراتيجية في الأساس، علماً بأنها قد تقضي بمقاطعتها أو مواجهتها أو التفاوض معها، وهي المقاربة الأفضل لاعتبارات متعددة.
لكن لا يمكن للدولة اللبنانية، برئاستيها الأولى والثالثة، ألا تطرح هذا السؤال على نفسها راهناً وأن تفكّر في سبل مقاربته. ومن المعلوم أن الدولة تواجه أكبر أزماتها مع إيران، وتتمثّل في دعمها فريقاً داخلياً مذهبياً، بما يجعل من لبنان ساحة متقدّمة للدفاع عنها، وهو ما كبّده أثماناً باهظة جداً لا تقتصر على تلك التي تكبّدتها الطائفة الشيعية من أرواح شبابها وأراضيها وأملاكها، فضلاً عن أن ذلك يعوق قيام الدولة التي ينبغي أن تكون في مصلحة الطائفة الشيعية كما سائر الطوائف.
وقد يرجّح كثيرون أن الدولة، في ظل خياراتها الراهنة، ربما لا ترغب في التفاوض مع إيران، فيما يرى آخرون أنها تستطيع القيام بذلك عبر دول صديقة على صلة بها وتحتاج إليها، مثل باكستان أو قطر أو أي دولة أخرى، كالمملكة العربية السعودية التي تستطيع بدورها، مباشرة أو عبر إسلام آباد، فهم ما تريده إيران من لبنان وكيف تفاوض، وعلى ماذا تريد التفاوض.
ويكتسب هذا الموضوع إلحاحاً نتيجة استمرار عرقلة الحزب حتى الانسحاب الإسرائيلي، وتوفير الذرائع له للبقاء في الجنوب، ربطاً برفض تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. وإذا كانت إيران ترى نفسها شريكة في ملف لبنان، فينبغي معرفة ما الذي تريده، علماً بأنها نافست الدولة اللبنانية على طريق المفاوضات مع الولايات المتحدة، ما اضطر الأخيرة إلى رفع سقف التنافس بالذهاب أبعد نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.





