تحاول إسرائيل تنفيذ قضم تدريجي لمرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية، الواقعة شرق مدينة النبطية في جنوب لبنان، بالتوازي مع ضغوط دبلوماسية على الدولة اللبنانية و«حزب الله»، الذي يرفض بشكل قاطع أي نقاش بشأن إخلاء المنشأة، بحسب مصادر مطلعة على موقفه، ما قد يدفع إسرائيل إلى اللجوء إلى «الخيار الثالث»، المتمثل في استئناف القتال في الجنوب.
وفي هذا السياق، كتبت «الشرق الأوسط» أن رفض «حزب الله» أي طروحات تتصل بإخلاء «علي الطاهر» يستند إلى أن المنشأة تقع «شمال نهر الليطاني»، وفق مصادر مطلعة على موقف الحزب، الذي «يتمسك بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، المستند إلى القرار الأممي رقم 1701، والذي يتضمن وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح في منطقة جنوب الليطاني».
وأشارت المصادر إلى أن «فهم الحزب للقرار والاتفاق هو أن حصرية السلاح محصورة في جنوب الليطاني، بينما سلاح المقاومة في شمال الليطاني شأن لبناني يخضع لاستراتيجية الأمن الوطني».
ويقول الحزب إن «اتفاق إسلام آباد هو الذي أنتج تراجع التصعيد والحرب في لبنان»، فيما دخلت تل أبيب في مسار المفاوضات المباشرة مع لبنان في واشنطن، بهدف الابتعاد عن مسار المفاوضات الأميركي ـ الإيراني وفصل الملفين.
وترى المصادر المطلعة على موقف الحزب أن هذا الواقع «أعطى إسرائيل حرية الحركة والاعتداءات، إذ جعلت المناطق غير المحتلة القريبة من الخط الأصفر معدومة الحياة، ومن بينها علي الطاهر». ومع ذلك، «لم ترضِ هذه الورقة قسماً من الجمهور الإسرائيلي المؤيد للحرب، ولم يوفر هذا الواقع عودة الثقة لسكان الشمال».
وبناءً عليه، «أنتج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي واقعاً مضخماً لتلة علي الطاهر، وأعطاها رمزيات وأبعاداً أمنية بهدف تكبير الإنجاز في حال استطاع السيطرة عليها»، رغم أن «المنشأة المفترضة في هذه التلة أصغر من منشآت أخرى سلّمها حزب الله للجيش اللبناني في جنوب الليطاني».
وتسعى إسرائيل منذ نحو 10 أسابيع إلى السيطرة على المرتفع الاستراتيجي، مع إبقاء خيار الحرب في المرتبة الأخيرة. ويقول المصدر إن الجانب الأميركي «يطالب بأن يتسلمه الجيش اللبناني، ويتحقق الجانب الإسرائيلي منه»، مضيفاً أن هذا العرض «تلقاه الحزب الذي يرى أن هذا المطلب بمثابة مناورة، لإدراك الجميع أن الحزب يرفضه مسبقاً».
كما يرى الحزب أن هذا الطلب «بمثابة رفع عتب قامت به السلطات اللبنانية أمام واشنطن، بأن لبنان قام بما عليه، لكن الحزب رفض». ويضيف المصدر: «هذا الطلب في الأساس لا يتضمن أي ضمانات بألا يتم تسليمه لإسرائيل في حال طلب من الجيش اللبناني الانسحاب من المرتفع، أو انكفاء الجيش تحت ضغط ناري إسرائيلي»، فضلاً عن أنه يعتبره «استدراجاً من خارج الاتفاق الذي يتمسك به الحزب، وهو اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024».
ويقول المصدر إن الولايات المتحدة «أبلغت لبنان أنها تسمح بسيطرة إسرائيلية على المرتفع من دون تصعيد».
لكن في ظل رفض الحزب أي طروحات لإخلاء المرتفع، لم يبقَ أمام إسرائيل سوى الخيار العسكري، الذي يتدرج من «محاولات قضم متدرج» عبر «إعدام الحياة وقطع الإمداد ومنع تبديل المقاتلين فيه، ما يمهد لسقوطه والدخول إليه بشبه معركة». وبحسب مصادر لبنانية مطلعة على التحركات الإسرائيلية في المرتفع، فإن هذا ما تقوم به إسرائيل منذ 10 أسابيع.
وترى المصادر أن فشل هذه الاستراتيجية قبل الانتخابات الإسرائيلية «يمكن أن يؤدي إلى معركة مفتوحة تشبه ما كان الأمر عليه قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 14 حزيران الماضي».
ويراهن «حزب الله» على تدخل إيراني في حال اتجهت إسرائيل إلى توسيع القتال والتملص من قواعد الاشتباك القائمة منذ وقف إطلاق النار، التزاماً بما قالته إيران إنها لن تسمح بأي اقتطاع لأي مساحة جغرافية جديدة في جنوب لبنان تحت النار.
ويستند الحزب في رهانه إلى تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، بعد ساعات من استهداف إسرائيلي لقياديين في الحزب في عمق جنوب لبنان يوم السبت الماضي، إذ قال قاليباف إنه على تواصل مع مقاتلي الحزب على الجبهة، ويتفقد أوضاعهم يومياً لتقييم الجبهة والجاهزية لأي أمر إسناد جديد.
وحول الطروحات التي تقضي بإخلاء «حزب الله» لمنشأة «علي الطاهر» مقابل انسحاب إسرائيلي من مدينة بنت جبيل أو بلدة الخيام المحتلتين والواقعتين داخل «الخط الأصفر»، الذي استحدثته إسرائيل في عمق يمتد لنحو 10 كيلومترات وأطلقت عليه «منطقة أمنية»، يقول المصدر إن «حزب الله» ينفي وجود طروحات مشابهة، ويعتبر أنها «لا أساس لها».
ويرى الحزب أن هذه الطروحات «تندرج ضمن إطار التضليل، وتسعى إلى تحميل حزب الله مسؤولية عدم الانسحاب في حال تجدد الحرب». كما يتهم الدولة اللبنانية بأنها «تضلل نفسها، لأن إسرائيل لا تقبل النقاش بمنطقة جديدة، وكلما أُعطيت شيئاً، تطالب بمزيد من دون تقديم أي تنازل».





