آراء ومقالات

حروب المال… حين تتحرك التريليونات قبل الجيوش

Spread the love

كتب الإعلامي محمد البرجي

في زمننا هذا لم تعد الحروب تبدأ بإطلاق النار, بل بحركة الأموال.

ففي عالم الاقتصاد المعولم تتحرك التريليونات أولاً بين البنوك وصناديق الاستثمار وشركات السلاح وأسواق الطاقة, قبل أن تتحرك الجيوش على الأرض. ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: من يقاتل؟ بل أصبح: من يموّل الحرب… ومن يجني أرباحها؟

تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الإنفاق العسكري العالمي تجاوز 2.7 تريليون دولار, وهو أعلى مستوى في التاريخ الحديث. وهذه الأرقام تكشف حقيقة واضحة: الحرب لم تعد مجرد قرار سياسي أو مواجهة عسكرية, بل أصبحت صناعة اقتصادية عملاقة تدور فيها مصالح مالية وصناعية تتجاوز حدود الدول.

لكن ما كان يُناقش طويلاً باعتباره احتمالاً استراتيجياً أصبح اليوم واقعاً قائماً.

فالمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة, وإيران من جهة أخرى, لم تعد مجرد سيناريوهات تُكتب في مراكز الدراسات, بل حرباً فعلية تتصاعد نيرانها في المنطقة.

وقد بدأت هذه المواجهة بضربات عسكرية متبادلة, لكن تطورها السريع كشف طبيعة الحرب الحديثة. فإيران لم تكتفِ باستهداف القواعد العسكرية, بل وسّعت نطاق عملياتها ليشمل المصالح الاقتصادية المرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة: شركات, منشآت طاقة, ومواقع لوجستية.

وهنا تتضح الحقيقة التي غالباً ما تُخفى خلف دخان المعارك:

الحروب الحديثة لم تعد بين جيوش فقط, بل بين أنظمة اقتصادية كاملة.

فالموانئ, ومنشآت النفط, وخطوط الطاقة, وسلاسل الإمداد, وحتى الشركات العالمية, أصبحت جزءاً من مسرح العمليات. وفي عالم يقوم على التجارة والطاقة, قد يؤدي تعطيل منشأة نفطية أو طريق ملاحي إلى تأثير أكبر من تدمير قاعدة عسكرية.

وهنا تظهر مفارقة جيوسياسية قاسية:

الدول التي ترتبط بمنظومة الأمن الإقليمي أو تستضيف قواعد عسكرية غربية قد تجد نفسها أيضاً في قلب الصراع. فالقواعد العسكرية ليست وحدها الأهداف, بل إن البنية الاقتصادية التي تحيط بها قد تتحول بدورها إلى ساحة ضغط في الحرب.

وفي الخلفية يتحرك اللاعب الأكثر حساسية في العالم: رأس المال.

فالمال لا يقيم في مناطق الخطر. ولهذا شهدت المنطقة خلال العقود الماضية انتقال المراكز المالية من بيروت التي كانت تُعرف يوماً بـ”سويسرا الشرق”, إلى قبرص, ثم إلى المنامة, قبل أن تستقر موجات كبيرة منه في دبي.

إنها هجرة دائمة لرؤوس الأموال بحثاً عن قاعدة بسيطة لكنها حاسمة:

الأمن أولاً… ثم الثقة… ثم الاقتصاد.

لكن هذه الأموال لا تبني أعشاشاً دائمة, فهي مثل الطيور المهاجرة, تحلّ حيث يستقر الأفق, وتغادر فور تغير اتجاه الرياح.

وفي خلفية كل هذه التطورات يقف سؤال استراتيجي يتجاوز الشرق الأوسط كله:

هل سيظل الدولار الأمريكي العمود الفقري للنظام المالي العالمي, أم أن صعود قوى اقتصادية كبرى مثل الصين سيعيد رسم خريطة المال والتجارة الدولية؟

ما نشهده اليوم ليس مجرد حرب جديدة في المنطقة, بل صراع أعمق على بنية النظام العالمي نفسه:

نظام الطاقة…

ونظام المال…

ونظام التجارة.

ولهذا فإن الصواريخ التي تعبر السماء ليست سوى المشهد الظاهر للحرب.

أما المعركة الحقيقية فتجري في مكان آخر: في البنوك, وأسواق النفط, وغرف القرار الاقتصادي.

فالذين يظنون أن الحروب تُحسم في الميدان وحده, لم يدركوا بعد حقيقة هذا العصر:

الجيوش تفتح الحروب…

لكن المال هو الذي يصنعها, ويطيلها, ويقرر في النهاية من يربحها.

…………………………. المستشار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى