معاهدة مياه نهر السند التزامات غير متكافئة، وتنازلات غير متساوية، استغلال باكستان للمعاهدة كأداة ضغط

الجزء الثاني II: العرقلة والاستغلال والمساءلة التي طال انتظارها
- استغلال باكستان للمعاهدة كأداة ضغط
1.1 العرقلة الممنهجة للتنمية الهندية
منذ توقيع المعاهدة، استخدمت باكستان باستمرار أحكام تسوية النزاعات الواردة فيها كأداة استراتيجية لعرقلة التنمية وتعطيلها فعليًا، بدلًا من اللجوء إليها بغرض تسوية النزاعات بصورة حقيقية. فكل مشروع رئيسي تقريبًا للطاقة الكهرومائية اقترحته الهند على الأنهار الغربية — حتى تلك المسموح بها صراحةً بموجب أحكام المعاهدة — واجه اعتراضات رسمية من جانب باكستان، أو طعونًا فنية، أو إحالات إلى التحكيم.
وقد خضعت مشروعات، من بينها باغليهار، وكيشنغانغا، وباكال دول، وتولبول، لتحديات واعتراضات باكستانية مطولة. وفي عدة حالات، أقرت باكستان بالفوائد المحتملة للمشروعات الهندية فيما يتعلق بتنظيم تدفق المياه — بما في ذلك الحد من الفيضانات — وفي الوقت نفسه واصلت معارضتها لها. ويكشف هذا النمط أن الاعتراضات الباكستانية لا تتعلق فعليًا بالامتثال للمعاهدة، بل تهدف إلى منع التنمية الهندية في جامو وكشمير، بغض النظر عن الأسس القانونية للمشروعات.
1.2 توظيف سردية “حرب المياه”
استغلت باكستان، في الوقت ذاته، التزام الهند الدائم بالمعاهدة لبناء وترويج سردية دولية تُصوِّر الهند باعتبارها “طرفًا قد يستخدم المياه كأداة عدائية”. وقد دأب المسؤولون والأكاديميون والقنوات الدبلوماسية الباكستانية على إثارة شبح “استخدام الهند للمياه كسلاح ضد باكستان” ضد باكستان — مستندين في ذلك إلى المعاهدة ذاتها التي التزمت بها الهند بدقة وحرص شديدين.
وقد أثبتت هذه السردية — التي تُصوِّر دولة المنبع باعتبارها مصدر تهديد — فاعلية ملحوظة لدى الأوساط الدولية غير المُلمة بتاريخ المعاهدة. واستخدمتها باكستان لتوليد ضغوط دبلوماسية، وكسب التعاطف متعدد الأطراف، وتقييد قدرة الهند على ممارسة حقوقها المشروعة بموجب المعاهدة.
وتتمثل المفارقة الأبرز في هذه الاستراتيجية في أن الهند لم ترتكب أي انتهاك واحد للمعاهدة — لا خلال حرب عام 1965، ولا خلال حرب عام 1971، ولا أثناء نزاع كارجيل عام 1999، ولا في أي مرحلة أخرى طوال خمسة وستين عامًا من سريان المعاهدة. فقد حافظت الهند على امتثالها الكامل لها، حتى في الوقت الذي استخدمت فيه باكستان أراضيها لشنّ أعمال إرهاب ترعاها الدولة ضد الهند.
- العواقب بالنسبة للهند
2.1 الإمكانات التنموية غير المُستغلة
أدّت القيود التي فرضتها المعاهدة إلى آثار ملموسة وطويلة الأمد على التنمية في الهند ضمن حوض نهر السند. فما زالت مساحات شاسعة من ولاية راجستان وأجزاء من البنجاب، كان يمكن ريّها، تعاني من الجفاف أو تعتمد على مصادر مياه بديلة وأكثر تكلفة. ويمثل الفاقد من إنتاجية زراعية على مدار ستة عقود خسارة اقتصادية يصعب تقديرها.
2.2 الإمكانات الكهرومائية غير المستغلة في جامو وكشمير
كان تأثير المعاهدة على جامو وكشمير بالغ الحدة بشكل خاص. فهذا الأقليم الاتحادي يقع على امتداد الأنهار الغربية ويمتلك إمكانات هائلة للطاقة الكهرومائية غير المستغلة إلى حد كبير. إلا أن استغلال هذه الإمكانات يظل مقيدًا في كل مرحلة بسبب القيود التصميمية التي تفرضها المعاهدة، والاعتراضات المنهجية من جانب باكستان، والمخاطر المستمرة لنظام تسوية النزاعات متعدد المستويات وطويل الأمد. وقد بات السكان المحليون ينظرون بشكل متزايد إلى المعاهدة لا كإطار لتحقيق المنفعة المشتركة، بل كأداة لتهميشهم اقتصاديًا — أي قيد خارجي يمنعهم من تطوير الموارد الطبيعية التي تجري داخل أراضيهم.
2.3 تداعيات تأمين الطاقة
إن عدم قدرة الهند على تطوير إمكانات الطاقة الكهرومائية للأنهار الغربية بشكل أمثل يترتب عليه تداعيات مباشرة على تأمين الطاقة الوطنية. فقيود المعاهدة تعني أنه تم إهدار القدرة الإنتاجية المحتملة بشكل كامل بوصفها مصدرًا نظيفًا ومتجددًا وفعالًا من حيث التكلفة ، وذلك فقط نتيجة التعطيل الاستراتيجي من جانب باكستان، حتى فيما يتعلق بالحقوق المحدودة التي تمتلكها الهند بموجب هذه المعاهدة غير المتكافئة.
- موقف الهند
كان الهدف من المعاهدة تحقيق “أكمل وأفضل استخدام ممكن لمياه أنهار السند” في “روح تتسم بحسن النية والصداقة” — وهو سياق لم يعد قائمًا.
تستمد المعاهدات مشروعيتها ليس فقط من قوة القانون، بل أيضًا من حسن النية في تنفيذ شروطها من قبل جميع الأطراف الموقعة. غير أن الاستخدام الموثق والمستمر من جانب باكستان للإرهاب المدعوم من الدولة كأداة من أدوات السياسة الخارجية ضد الهند — والذي بلغ ذروته في الفظائع التي شملت الهجوم على البرلمان عام 2001، وهجمات مومباي عام 2008، ومؤخرًا هجوم باهالجام في أبريل 2025 — يطعن بشكل جوهري في الأساس الذي تقوم عليه استمرارية التزام الهند بمعاهدة مياه نهر السند. لا يمكن تنفيذ الاتفاقيات الثنائية بصورة انتقائية: فلا يجوز لدولة أن تنتهك في الوقت ذاته القواعد الأساسية للسلوك بين الدول، ثم تطالب شريكها التفاوضي بالوفاء بالتزامات معاهدة تفيد الطرف الذي يخرق تلك القواعد بصورة غير متكافئة. ولا يمكن للمعاهدة أن تكون جزيرة من الالتزام الهندي داخل بحر من سوء النية الباكستاني. تمثل خطوة الهند تأكيدًا طال انتظاره على أن الاتفاقيات الدولية طريق ذو اتجاهين. - الخاتمة
لطالما جرى الاحتفاء بمعاهدة مياه نهر السند باعتبارها انتصارًا للدبلوماسية الدولية. غير أن هذه الورقة ترى أن هذا الوصف يشوّه بصورة جوهرية حقيقة ما حدث فعليًا: وهوعملية تفاوض جرى فيها مكافأة التعنت الباكستاني بتقديم تنازلات ، بينما استُغلت حسن نية الهند بصورة منهجية لإبرام اتفاق كان غير متكافئ منذ البداية.
ومع ذلك، تنازلت الهند عن 80% من المياه، ودفعت 62 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار بالقيمة الحالية) لتسهيل هذا التنازل، وقبلت بقيود تشغيلية أحادية الجانب داخل أراضيها، كما حافظت على امتثال صارم للمعاهدة طوال خمسة وستين عامًا — بما في ذلك خلال الحروب المتعددة التي فرضتها باكستان، واستمرارها في رعاية الإرهاب العابر للحدود. وفي المقابل، حصلت الهند على معاهدة تم الاتفاق عليها بحسن نية، لكن باكستان استخدمتها كأداة لعرقلة التنمية، وروّجت من خلالها دوليًا لسردية “حرب المياه” من دون أي أساس واقعي، إلى جانب استمرار التخلف التنموي في مساحات شاسعة من الأراضي الهندية.
إن الخطوة التي اتخذتها الهند تأتي في إطار حماية مصالحها المشروعة في حوض نهر السند. فهي لا تمثل عملًا عدائيًا، وإنما تعكس تصحيحًا طال انتظاره لوضع غير متكافئ قام على حسن نية من جانب واحد لم يقابله التزام مماثل من الطرف الآخر. أما بالنسبة لمن يتساءلون عن سبب تعليق العمل بالمعاهدة في هذا التوقيت، فمن المهم التذكير بأن اتخاذ القرار الصحيح لا يرتبط بوقت متأخر أو مبكر.



