بقلم: سوري مغترب
أكتب اليوم وأنا أشعر بقلق عميق على سوريا. ليس قلقاً عابراً تفرضه الأخبار اليومية، بل خوفاً حقيقياً على وطن أنهكته الحروب، واستنزفته الانقسامات، ويدفع شعبه منذ سنوات ثمناً باهظاً من أمنه وكرامته ومستقبله.
كلما اعتقد السوريون أن بلادهم تقترب من فرصة لالتقاط أنفاسها، جاءت الاعتداءات الإسرائيلية لتذكّرنا بأن هناك من لا يريد لسوريا أن تستعيد عافيتها، ولا لجيشها أن يستعيد قدراته، ولا لدولتها أن تقف مجدداً على قدميها.
ما الذي تريده إسرائيل من سوريا؟ وهل يكفيها أن تكون الدولة السورية ضعيفة، أم أنها تريدها عاجزة عن النهوض إلى أجل غير مسمّى؟
من درعا إلى الجنوب السوري… إلى أين يصل التوغّل؟
إن الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وما شهدته المنطقة الجنوبية من عمليات عسكرية وتوغّلات وقيود فرضتها إسرائيل على الوجود العسكري السوري، تطرح سؤالاً سيادياً لا يمكن تجاهله: بأي حق تقرّر دولة أجنبية نوع السلاح الذي يحق لدولة مستقلة امتلاكه، وأين يمكن لجيشها أن ينتشر داخل أراضيها؟
إن أمن إسرائيل، مهما كانت الذرائع التي تسوقها، لا يمنحها حق انتهاك سيادة جيرانها.
ولا يمكن التعامل مع جنوب سوريا وكأنه منطقة مفتوحة للقرارات العسكرية الإسرائيلية. فدرعا والقنيطرة والسويداء ليست مجرد أسماء على خريطة أمنية، بل محافظات سورية يسكنها مواطنون لهم الحق في الأمان والاستقرار، وفي أن تحميهم مؤسسات دولتهم.
والأخطر أن تتحول الوقائع العسكرية المفروضة بالقوة إلى ترتيبات دائمة، ثم إلى أمر واقع يُطلب من السوريين الاعتراف به تحت عنوان الاستقرار.
فما يبدأ بمنطقة عازلة قد يتحول، إذا غابت الضمانات والضغوط الدولية، إلى انتقاص طويل الأمد من السيادة الوطنية.
الرئيس أحمد الشرع… هل ينجح الصبر السياسي حيث تعجز المواجهة العسكرية؟
أراقب موقف الرئيس أحمد الشرع في هذه المرحلة الحساسة، وأرى أن ضبط النفس ومحاولة تجنّب حرب جديدة قد يكونان خياراً عقلانياً أمام دولة خرجت من سنوات طويلة من الدمار.
فليس من الحكمة أن تُدفع سوريا إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة، ولا يجوز أن يتحول الغضب الشعبي المشروع إلى قرار يعرّض المدنيين والبلاد لمزيد من الخراب.
لكن الصبر السياسي يجب ألا يكون انتظاراً بلا نهاية.
الدبلوماسية تحتاج إلى أهداف واضحة، وضمانات، وتحرك عربي ودولي جاد، وإلى مطالبة مستمرة بوقف الاعتداءات واحترام السيادة السورية والانسحاب من الأراضي التي جرى التوغّل فيها.
وهنا أسأل: إلى متى تستطيع سوريا المراهنة على السياسة إذا استمر فرض الوقائع العسكرية على الأرض؟
لا أطالب بحرب، بل أطالب بسياسة تملك أدوات الضغط، وتحافظ على الحقوق، ولا تسمح بتحويل ضبط النفس السوري إلى فرصة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية.
إسرائيل… هل يكفيها ما أخذته من فلسطين؟
لا أستطيع فصل ما يجري في سوريا عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
فاحتلال الجولان السوري، واستمرار الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، والحروب والاعتداءات التي شهدها لبنان، جميعها وقائع تجعل من الصعب النظر إلى التحركات الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها إجراءات أمنية منفصلة عن سياق أوسع.
من وجهة نظري، هناك نزعة توسعية واضحة في السياسات الإسرائيلية، وخطر حقيقي في أن تتحول ذريعة الأمن إلى مبرر دائم للتدخل في أراضي الدول المجاورة.
لكن التاريخ يعلّمنا أيضاً أن التفوق العسكري لا يصنع وحده سلاماً، وأن السيطرة على الأرض لا تضمن شرعية الاحتلال، وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع إلغاء حقوق الشعوب.
إسرائيل قد تستطيع فرض واقع عسكري لفترة، لكنها لن تستطيع بناء استقرار دائم على انتهاك سيادة الآخرين وحقوقهم.
السويداء… احذروا من تحويل الخوف إلى مشروع انفصال
وهنا أصل إلى القضية التي تؤلمني أكثر: السويداء.
أتوجه إلى أهلنا في السويداء، إلى أبناء الطائفة الدرزية الكريمة، وإلى كل سوري يخشى على حياته ومستقبله، وأقول: أنتم جزء أصيل من سوريا، وتاريخكم الوطني أكبر من أي محاولة لاستخدام معاناتكم في صراع إقليمي.
أعرف أن الخوف لا يأتي من فراغ، وأن هناك مظالم وهواجس أمنية وسياسية حقيقية لا يجوز إنكارها أو الاستخفاف بها.
ومن حق أبناء السويداء أن يطالبوا بالأمن والكرامة والمحاسبة والتمثيل العادل، ومن واجب الدولة السورية أن تستجيب لهذه المطالب، وأن تحمي جميع المواطنين من دون تمييز أو انتقام.
لكنني أخشى أن تستغل إسرائيل هذه الهواجس لتقديم نفسها بوصفها حامية للدروز، بينما توظّف القضية في حساباتها العسكرية والسياسية.
حماية الدروز لا تكون باستباحة الأرض السورية، ولا باستخدامهم ذريعة لتدخل عسكري خارجي.
وفي المقابل، فإن الرد على أي تدخل خارجي لا يكون بتخوين أبناء السويداء أو تحميلهم مسؤولية مواقف لا يتبنّاها جميعهم.
ليس كل من ينتقد السلطة انفصالياً، وليس كل من يخاف على طائفته عميلاً، وليس كل من يطالب بضمانات أمنية يريد تقسيم سوريا.
هذه الحقيقة يجب أن تكون أساس أي مصالحة وطنية.
رسالتي إلى أهل السويداء: سوريا تحتاج إليكم
يا أهلنا في السويداء…
لا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم أن مستقبلكم خارج وطنكم، أو أن أمنكم لا يتحقق إلا تحت مظلة قوة أجنبية.
عودوا إلى مشروع الدولة السورية الواحدة، وشاركوا في صياغته، وطالبوا بحقوقكم كاملة، ولا تتنازلوا عن كرامتكم أو أمنكم.
وفي الوقت نفسه، أقول للمسؤولين في دمشق: لا يمكن مطالبة الناس بالثقة من دون توفير أسباب الثقة.
المطلوب ضمانات فعلية، ومحاسبة كل من يرتكب انتهاكات بحق المدنيين، وحوار صريح مع المرجعيات الاجتماعية والسياسية في السويداء، ومؤسسات أمنية وقضائية تحمي الجميع.
وحدة سوريا لا تُفرض بالخوف، بل تُبنى بالعدل.
الخطر الأكبر: أن تنتصر الفتنة على الوطن
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا اليوم ليس الاعتداء العسكري وحده، بل أن ينجح أي طرف خارجي أو داخلي في تحويل السوريين إلى جماعات تخاف بعضها بعضاً.
حين يصبح الدرزي خائفاً من السنّي، والسنّي خائفاً من العلوي، والمسيحي خائفاً على وجوده، والكردي قلقاً على حقوقه، نكون قد منحنا مشاريع التقسيم أفضل فرصة للنجاح.
ولا يجوز أن نسمح بذلك.
سوريا لا يمكن أن تنهض إلا بجميع أبنائها، ولا يمكن أن تستعيد سيادتها من دون دولة تحترم تنوّعها وتحمي مواطنيها على قدم المساواة.
أما إسرائيل، فإن استمرار سياسة القوة والتوسّع قد يمنحها مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنه يراكم أسباب الصراع ويجعل السلام الحقيقي أبعد.
أخاف على سوريا… لكنني لم أفقد الأمل
أخاف على سوريا لأنني أعرف كم دفعت من الدم والدموع والتهجير.
أخاف على درعا والقنيطرة والسويداء، وعلى دمشق وحلب وحمص والساحل والجزيرة، وعلى كل مدينة وقرية سورية تنتظر فرصة للحياة الطبيعية.
أخاف أن تتحول الخلافات السياسية إلى حدود جديدة، وأن يصبح الخوف الطائفي أقوى من الانتماء الوطني، وأن تُستنزف البلاد في معارك لا تنتهي.
لكنني أؤمن أن سوريا أكبر من مشاريع التقسيم، وأكبر من أطماع الخارج، وأكبر من أخطاء السياسيين.
رسالتي إلى الرئيس أحمد الشرع: أعطِ السياسة فرصتها، لكن لا تسمح بأن تصبح السيادة السورية ورقة قابلة للتنازل.
ورسالتي إلى أهل السويداء: تمسّكوا بسوريتكم، وتمسّكوا بحقوقكم في الوقت نفسه. فلا وطن يستحق أن نخسر كرامتنا من أجله، ولا كرامة وطنية تكتمل إذا خسرنا وطننا.
أما رسالتي إلى كل السوريين، فهي أن نحذر من الفتنة أكثر مما نحذر من الاختلاف، وأن نرفض الاحتلال كما نرفض الظلم الداخلي، وأن ندرك أن قوة سوريا الحقيقية تبدأ عندما يشعر كل مواطن فيها أن الدولة دولته.
سوريا ليست غنيمة لأحد، وليست أرضاً مستباحة، وليست مشروعاً ينتظر الآخرون تقسيمه.
سوريا وطن… والوطن لا يُباع، ولا يُقسَّم، ولا يُحمى إلا بوحدة أبنائه وعدالة دولته.





