✍🏼 بقلم المحامي خضر عكنان
لم تبدأ علاقتي بسعادة السفير المصري في لبنان علاء موسى من موقع رسمي، ولا من مناسبة بروتوكولية عابرة. بدأت من خلال عالم الفن، ومن خلال علاقتي بأمير الغناء العربي هاني شاكر، الذي كان سبباً في تعارفنا، ومنه بدأت علاقة إنسانية مميزة أعتز بها كثيراً.
ومع مرور الوقت، لم تعد العلاقة مجرد معرفة فرضتها مناسبة أو عمل، بل أصبحت صداقة حقيقية، أتاحت لي أن أتعرف إلى شخصه عن قرب، وأن أرى الإنسان خلف الدبلوماسي.
وأقولها بصراحة: سعادته من الشخصيات التي يصعب أن تضع بينها وبين الناس مسافة.
فهو، رغم موقعه الرسمي، قريب من الناس ، راقٍ في حضوره، ودود من دون تكلّف، ومتواضع من دون أن يفقد هيبة الموقع الذي يمثل فيه بلاده.
ولعل أكثر ما يميزه، في رأيي، هو تلك الخلطة النادرة بين الثقافة العالية ودماثة الخلق والذكاء الدبلوماسي.
وقد أعطى ذلك للحضور الدبلوماسي المصري في لبنان رونقاً خاصاً؛ لأن الدبلوماسية في نهاية المطاف ليست فقط مواقف وملفات واجتماعات، بل هي أيضاً علاقة إنسان بإنسان، وقدرة على بناء الجسور وترك أثر طيب في نفوس الآخرين.
ومن خلال معرفتي به، لمست محبته للبنان، لا كمجرد بلد عمل فيه سفيراً، بل كبلد أحبه وأحب ناسه وثقافته وتنوعه. استطاع خلال وجوده فيه أن ينسج شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والثقافية، وأن يكون قريباً من مختلف الناس، من دون أن تحكمه الرسميات أو حدود البروتوكول.
أما علاقته بالفن، فقد كانت إحدى المساحات التي جمعتنا، وكان هاني شاكر محطة أساسية في بداية معرفتنا. وفي هذا المجال أيضاً، وجدت فيه شخصاً يقدّر الفن الحقيقي، ويحترم الفنان، ويدرك أن الثقافة والفن من أجمل الجسور التي تجمع الشعوب.
ومن هنا، فإنني أرى أن السفير علاء موسى جدير بهذا المنصب وبالثقة التي أولته إياها بلاده، ليس فقط لما يمتلكه من خبرة دبلوماسية، وإنما لما يتمتع به من صفات إنسانية وثقافية جعلت حضوره مختلفاً.
لقد أثبت أن الدبلوماسي يستطيع أن يكون قريباً من الناس من دون أن يفقد هيبة المنصب، وأن يكون مثقفاً من دون استعراض، وأن يمارس الدبلوماسية من دون أن يجعلها مسافة باردة تفصل بينه وبين المجتمع.
واليوم، ونحن نقترب من لحظة مغادرته لبنان، أشعر أن الوداع هنا لا يشبه الوداعات العادية.
فنحن لا نودّع سفيراً فحسب، بل نودّع شخصاً ترك في المكان شيئاً من حضوره، وفي قلوب من عرفوه شيئاً من محبته.
سيغادر لبنان بحكم مقتضيات العمل الدبلوماسي، لكن بعض العلاقات لا تنتهي بانتهاء المهمة، وبعض الأشخاص لا تختصرهم السنوات التي أمضوها في بلد، بل الأثر الذي تركوه فيه.
إلى سعادة السفير علاء موسى، حين ترحل عن لبنان، لا أقول لك وداعاً، بل إلى لقاء آخر.
ستغادر منصبك، وربما تأخذك الدبلوماسية إلى بلد آخر، إلى مهمة جديدة، وإلى صفحات جديدة من مسيرتك، لكنك ستترك خلفك في لبنان أصدقاء وقلوباً وأياماً جميلة لا تغادر بسهولة.
شكراً لك على كل ما كنت عليه:
سفيراً لمصر، محباً للبنان، ودبلوماسياً أعطى للمنصب رونقه، وللعلاقات الإنسانية معناها.
وإذا كان للدبلوماسي أن يترك وراءه إرثاً، فأجمل إرث يمكن أن يتركه هو المحبة والاحترام.
كل المحبة… وكل التقدير… وإلى لقاء قريب، في لبنان أو في أي مكان تحملك إليه الأيام.





