spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

جابر: الموازنة ليست أرقاماً إنها رؤية الحكومة والمطلوب أن تصبح أداة لقيادة التعافي وبناء الدولة

افتتح وزير المالية ياسين جابر أعمال مؤتمر مشروع «دعم إعداد الموازنة الوطنية وتحسين الإنفاق العام في لبنان»، المنفذ عبر برنامج SIGMA التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، في السرايا الحكومية، بحضور أعضاء لجنة المال والموازنة النيابية، وعدد من المديرين العامين، وممثلين عن الاتحاد الأوروبي وبرنامج SIGMA، وشخصيات ومسؤولين عسكريين وفعاليات اقتصادية وجهات دولية شريكة.

وقال جابر في كلمته: «أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي OECD ومبادرة SIGMA، على دعمهم المستمر للبنان، ولا سيما في مسار تعزيز الإدارة المالية العامة وإصلاح عملية إعداد الموازنة وتحسين الإنفاق العام».

وأضاف أن هذا الدعم يأتي في مرحلة بالغة الأهمية للبنان، موضحاً أن إصلاح الموازنة «ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل هو جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج».

وأشار إلى أن لبنان لا يزال يواجه تراكم أزمات حادة، في وقت خلّفت الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة تداعيات إنسانية واقتصادية ومادية هائلة، وألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والممتلكات. وقال إن الحكومة اعتمدت، ولا تزال تعتمد، مساراً يقوم على بُعدين متلازمين: الأول، الاستجابة السريعة للأزمات وتلبية الاحتياجات الملحّة؛ والثاني، الاستعداد للتعافي والعمل على المحركات الاستراتيجية للنهوض فور توافر الظروف الملائمة.

وأكد أن هذا التلازم يقع في صلب المسؤولية الراهنة، لافتاً إلى أن الاستجابة للأزمات، في ظل استمرار عدم الاستقرار، تتطلب انضباطاً مالياً صارماً وأولوية واضحة للإنفاق.

وقال جابر إنه «إلى حين إنجاز إعادة هيكلة مكتملة للقطاع المالي والمصرفي، واستعادة الثقة، وإمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال، يبقى الحفاظ على الانضباط المالي وعلى موازنة متوازنة ركيزة أساسية للاستقرار المالي والنقدي».

وأضاف أن الحكومة تمكنت، رغم الظروف الصعبة والمتطلبات المتزايدة، من الحفاظ على سلامة المالية العامة وتفادي الانزلاق إلى اختلالات مالية قد تقوّض الاستقرار، وذلك عبر ترتيب صارم لأولويات الإنفاق، وإدارة منضبطة للسيولة، وجهد مستمر في تعبئة الإيرادات. وأوضح أن هذا الانضباط كان ضرورياً، لكنه «ليس هدفنا النهائي».

وتابع جابر: «فإذا كانت الموازنة قد شكلت، خلال سنوات الأزمة، أداة لإدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أن تصبح أداة لقيادة التعافي وبناء الدولة. وهنا تبدأ عملية إصلاح إعداد الموازنة. الموازنة ليست أرقاماً، إنها رؤية الحكومة».

وأوضح أن لبنان يحتاج إلى الانتقال من موازنة يتركز هدفها الأساسي على ضبط الإنفاق وتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، إلى موازنة استراتيجية تعكس رؤية الحكومة وأولوياتها. وأضاف أن الموازنة ليست مجرد عملية محاسبية، بل هي الترجمة المالية لسياسات الحكومة والأداة التي تتحول من خلالها الرؤية إلى أولويات، والأولويات إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى اعتمادات، والاعتمادات إلى نتائج قابلة للقياس.

وقال إن السؤال الذي يجب أن يحكم إعداد الموازنة لم يعد فقط: «كم نستطيع أن ننفق؟»، بل أيضاً: «ماذا نريد أن نحقق؟ وما هي الموارد التي نحتاجها لتحقيقه؟». واعتبر أن هذا هو جوهر الانتقال إلى الموازنة الاستراتيجية والموازنة القائمة على البرامج والنتائج، مؤكداً أن مسؤولية الموازنة مسؤولية حكومية متكاملة، وأن هذا التحول يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة إعدادها.

وأردف أن الموازنة يجب أن تصبح عملية حكومية متكاملة تقوم على مسؤولية مشتركة وواضحة لدى جميع إدارات الدولة ومؤسساتها. ويبدأ هذا المسار من مجلس الوزراء، الذي يحدد رؤية الحكومة وأهدافها وأولوياتها الاستراتيجية، ثم تنتقل هذه الأولويات إلى الوزارات والإدارات العامة، التي تتولى ترجمتها إلى استراتيجيات قطاعية وأهداف وبرامج واعتمادات واضحة، وتحدد الموارد اللازمة لتنفيذها.

وشدد على أن الوزارة التي تضع السياسة وتنفذها يجب أن تمتلك القدرة على التخطيط لها وتحديد مواردها وقياس نتائجها، وأن تتحمل في المقابل مسؤولية أكبر عن هذه النتائج.

ولفت جابر إلى أن دور وزارة المالية يتمثل في وضع الإطار المالي، وتحديد القيود والإمكانات المتاحة، وضمان الانضباط المالي الكلي والاستدامة المالية، والتأكد من انسجام الخيارات والسياسات مع الموارد المتاحة والأهداف العامة للحكومة.

وأشار إلى دور الإطار المالي متوسط الأجل (MTFF)، الذي يحدد السقف المالي الذي ينبغي أن تتحرك ضمنه السياسات الحكومية، مع وضع سقوف واضحة للوزارات والقطاعات، وربط الموارد بالأولويات بكفاءة، وضمان الاستخدام الأفضل للموارد.

وقال إن توزيع المسؤوليات وتعزيز المساءلة عبر الوزارات والإدارات يمثلان شرطاً أساسياً للانتقال إلى موازنة استراتيجية حقيقية. وأضاف أن دور الشركاء، ولا سيما منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وبرنامج SIGMA، يتمثل في دعم بناء القدرات وتطوير الأنظمة والأطر المؤسساتية التي تجعل هذا التحول مستداماً.

وأكد أن التحول الرقمي جزء من الإصلاح، وأن النجاح في هذا المسار يتطلب تحديث أدوات العمل، وتبسيط الإجراءات، وتحسين جودة البيانات، وربط التخطيط بإعداد الموازنة والتنفيذ والتقارير، والعمل على بناء أنظمة رقمية متكاملة.

وأوضح أن التحول الرقمي ليس مجرد تحديث تكنولوجي، بل أداة لإعادة تنظيم العمل الحكومي، بما يتيح الانتقال من إجراءات مجزأة إلى دورة متكاملة للموازنة، ومن التخطيط القصير الأجل إلى التخطيط الاستباقي، ومن التركيز على بنود الإنفاق إلى التركيز على السياسات والبرامج والنتائج.

وقال جابر إن إصلاح الموازنة هو إصلاح لمنهجية العمل في الدولة، مشيراً إلى أن الانتقال من الواقع الحالي إلى نظام حديث لإدارة الموازنة هو مسار متوسط الأجل ولن يتحقق بين ليلة وضحاها.

وتابع: «لكن علينا أن نبدأ اليوم، وأن نكون واضحين بشأن أهدافنا: نريد موازنة أكثر شفافية واستراتيجية، ونريد وزارات وإدارات تتمتع بمسؤولية أكبر، وبقدرة أكبر على التخطيط، وبمساءلة أكبر عن الموارد التي توضع في عهدتها، ونريد أن يُقاس الإنفاق العام ليس فقط بما إذا كان قد تم ضمن الاعتماد المخصص، وإنما أيضاً بما حققه للمواطن».

وأضاف أن تحسين الإنفاق العام لا يعني فقط الإنفاق بشكل أقل، بل الإنفاق بشكل أفضل، وتوجيه الموارد المحدودة إلى ما يحقق أكبر أثر ممكن.

واعتبر جابر أن إصلاح إعداد الموازنة في لبنان هو، في جوهره، إصلاح لطريقة عمل الحكومة، مؤكداً أن الموازنة ليست مجرد أرقام، بل تعكس الخيارات الوطنية وتحدد الأولويات وتترجم الرؤية. وقال إن الطموح اليوم يتمثل في الانتقال من موازنة لإدارة الأزمة إلى موازنة تقود التعافي، ومن الانضباط المالي بوصفه ضرورة إلى التخطيط الاستراتيجي باعتباره أداة لبناء الدولة.

كلمة الاتحاد الأوروبي

بدورها، أكدت رئيسة قسم التعاون في الاتحاد الأوروبي أليساندريا فيتسر، في كلمتها، أن موازنة الدولة ليست مجرد إجراء محاسبي، بل أداة أساسية للسياسة العامة تترجم الأولويات السياسية إلى موارد.

وقالت إن إيجاد موازنة موثوقة أمر جوهري لإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، فضلاً عن كونها عنصراً مهماً في برنامج الإصلاح اللبناني والتفاوض مع صندوق النقد الدولي.

وأعلنت تخصيص الاتحاد الأوروبي برنامجاً جديداً بقيمة مليون يورو، ينفذ بالتعاون مع برنامج SIGMA، لمواصلة دعم المراحل المقبلة من إصلاح الموازنة، بما في ذلك إعداد موازنة عام 2027 والموازنات اللاحقة.

وشددت على أن التنسيق والدعم التقني الدوليين لا يمكن أن يحلا محل «الملكية الوطنية»، مؤكدة أن إصلاح المالية العامة هو، بالدرجة الأولى، مسؤولية أجهزة الدولة اللبنانية، برلماناً وحكومة ووزارات.

وأوضحت أن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد التمارين التقنية المنجزة، بل بمدى قدرة لبنان على اتخاذ قرارات موازنية صعبة بأسلوب شفاف، وتوجيه الموارد الشحيحة نحو خدمات أفضل وأنشطة ملموسة للمواطنين.

كلمة برنامج SIGMA

من جهتها، أعربت نائبة رئيس برنامج SIGMA بياتكا بريتيش عن اعتزاز المنظمة بإطلاق المشروع، الذي تبلغ مدته 18 شهراً ويموله الاتحاد الأوروبي، لدعم حوكمة المالية العامة في لبنان.

وأكدت أن الموازنة الشفافة والفعالة تمكّن الحكومات من الاستجابة للأزمات وبناء الثقة.

وقالت إن أركان المشروع الأربعة تتمثل في إعداد استراتيجية شاملة لإصلاح الموازنة، بما يضع رؤية متماسكة ويحدد أولويات الإصلاح بطريقة واقعية ومستدامة؛ وتعزيز الإعداد التنازلي للموازنة عبر دعم وزارة المالية في إعداد أطر مالية متوسطة الأجل وسقوف إنفاق للوزارات؛ وتعزيز الإعداد التصاعدي للموازنة عبر دعم الوزارات القطاعية لتحسين تقدير التكاليف والتخطيط؛ والاستفادة من الخبرات الدولية والممارسات الفضلى من خلال التعلم من الأقران وتبادل الخبرات مع دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الشراكة والملكية.

وأوضحت أن المشروع لا يهدف إلى نقل نماذج جاهزة من الخارج، بل يعتمد على الشراكة والتكيف مع الواقع المحلي والظروف التي تعمل فيها الإدارة العامة اللبنانية، ودور البرلمان.

وشددت على أهمية دور مجلس النواب في دراسة الموازنات والرقابة على الإنفاق، بما يضمن استدامة المالية العامة ومصداقيتها.

مداخلات

وشهد المؤتمر مداخلات لمديرة الموازنة كارول أبي خليل ومدير المحاسبة العامة عبد الحفيظ سوبرة، إلى جانب عروض تقنية فصّلت تصميم المشروع وأهدافه، أعقبتها حلقات نقاش بمشاركة مدير المالية العامة جورج معراوي ومديرين معنيين في الوزارات والجهات الدولية الشريكة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles