بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد أزمة الطاقة في آسيا تقتصر على ارتفاع الأسعار. فالمنطقة التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز الخليج باتت تواجه سؤالاً أكبر: ماذا يحدث إذا انقطع شريان مضيق هرمز؟
وبحسب “Al Jazeera English”، كانت آسيا من أكثر المناطق تضرراً من التداعيات الاقتصادية للحرب، نتيجة اعتمادها على الإمدادات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز، في وقت تراجع فيه الشحن إلى مستويات محدودة بفعل الهجمات الإيرانية والحصار البحري الأميركي.
في البداية، اتجهت الحكومات الآسيوية إلى اتخاذ إجراءات طارئة، ففرضت بعض الدول سقوفاً لأسعار الوقود، واعتمدت أخرى نظام القيادة بالتناوب، فيما طلبت حكومات من موظفي القطاع العام العمل من المنزل للحد من استهلاك الطاقة. إلا أن هذه الإجراءات لم تتجاوز كونها حلاً مؤقتاً لأزمة أوسع.
وبعد أشهر من الاضطراب، بدأت آسيا البحث عن حل طويل الأمد، يتمثل في تخزين النفط والغاز بالقرب منها، وتطوير بنية تحتية تقلل تعرضها لأي اختناق جديد في الممرات البحرية.
وكانت اليابان في طليعة هذا التحول. فعلى الرغم من اعتمادها الكبير على طاقة الشرق الأوسط، تمكنت طوكيو من امتصاص الصدمة بصورة أفضل من غيرها، لامتلاكها واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية الاستراتيجية في العالم. وتسعى اليابان حالياً إلى نقل هذه التجربة إلى جنوب شرق آسيا.
وفي نيسان، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي مبادرة “POWERR Asia” بقيمة 10 مليارات دولار، بهدف مساعدة اقتصادات جنوب شرق آسيا على شراء النفط والمنتجات البترولية، ثم إنشاء مخزونات استراتيجية على المدى الطويل.
وتكشف الأرقام حجم الهشاشة. فعند اندلاع الحرب أواخر شباط، لم يكن لدى فيتنام احتياطي نفطي وطني يكفي لأكثر من 5 إلى 7 أيام، رغم أن المخزونات التجارية ومصادر أخرى كانت قادرة على تمديد الإمدادات لمدة تصل إلى 65 يوماً إضافياً. أما تايلاند فكانت تملك نحو 61 يوماً من الاحتياطات العامة والخاصة، في حين تراوحت إمدادات الفيليبين بين 50 و60 يوماً ضمن المخزونات التجارية الخاصة.
وظلت هذه المستويات جميعها دون معيار وكالة الطاقة الدولية البالغ 90 يوماً، ما أعاد في بانكوك ومانيلا النقاش بشأن ضرورة إنشاء احتياطات نفطية حكومية فعلية. وفي الفيليبين، وافقت لجنة برلمانية الشهر الماضي على مشروع قانون لإنشاء احتياطي حكومي يكفي 60 يوماً.
وتتحرك تايلاند في اتجاه آخر، إذ يدفع مسؤولوها نحو تنفيذ مشاريع لخطوط أنابيب وخزانات نفط تعبر شبه الجزيرة، في محاولة لتحويل البلاد إلى مركز لتخزين الخام الخليجي ومنافسة سنغافورة في هذا المجال.
وفي جنوب آسيا، دفعت الحرب الهند أيضاً إلى إعادة النظر في مخزونها الاستراتيجي. وكانت نيودلهي تملك في أيار مخزونات نفط تكفي لنحو 74 يوماً، ويعود أكثر من 90% منها إلى شركات حكومية. وفي تموز، أعلنت شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية الحكومية إنشاء احتياطي جديد في جنوب البلاد بسعة 1.75 مليون طن متري، أي ما يقارب 13 مليون برميل، إلى جانب خطط لتوسيع المخزونات القائمة بمقدار 6.5 ملايين طن متري.
ولا يقتصر التحول على التخزين داخل الدول، إذ تبحث اقتصادات آسيا الكبرى أيضاً عن اتفاقات تخزين مباشرة مع موردي الخليج. وتمتلك اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة علاقات طويلة مع دول شرق أوسطية لتخزين الإمدادات بالقرب من سواحلها، مع اهتمام بتوسيع هذه القدرات وربما إبرام تفاهمات جديدة.
وتخزن الإمارات، عبر شركة “ADNOC”، النفط بالفعل في سنغافورة والهند وكوريا الجنوبية واليابان، بينما تمتلك الكويت والسعودية مخزونات في كوريا الجنوبية واليابان. وتسعى “ADNOC” إلى رفع قدرتها التخزينية في الهند إلى 30 مليون برميل، في حين تدرس نيودلهي تخزين جزء من احتياطاتها في ميناء الفجيرة الإماراتي على خليج عمان، أي خارج عنق الزجاجة في هرمز.
بدورها، تدرس كوريا الجنوبية توسيع احتياطاتها البالغة نحو 146 مليون برميل، بإضافة ما بين 30 و40 مليون برميل، بعدما كانت الخطة الأولية تقتصر على إضافة 20 مليوناً.
أما الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، فقد عزز إغلاق هرمز قناعتها بأن أمن الطاقة لم يعد خياراً. وتتضمن خطتها الخمسية الجديدة لتطوير قطاعي النفط والغاز، خلال الفترة بين 2026 و2030، توسيع خطوط الأنابيب ومخزونات الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن زيادة أعمال الحفر في المياه العميقة.
وفي أيار، أعلنت شركة “PipeChina” الحكومية تسريع العمل في نحو 40 مشروعاً للنفط والغاز، من بينها 9000 كيلومتر من خطوط الأنابيب المحلية. وعلى الرغم من أن هذه الخطط وُضعت قبل الحرب، فإن الأزمة الحالية منحتها مبرراً أقوى داخل دوائر القرار الصينية.
وتبدو المعادلة الجديدة في آسيا واضحة: لم يعد السؤال يقتصر على مصدر البرميل المقبل، بل يشمل كيفية وصوله، والمدة التي تستطيع الدولة الصمود خلالها من دونه، وما إذا كان بالإمكان تقليل الحاجة إليه أساساً.
ولهذا، تفرز الأزمة نوعين من الاستثمارات: أولهما يركز على إنشاء الطرق والمخازن وخطوط الأنابيب لتجاوز المخاطر الجيوسياسية، فيما يسعى الثاني إلى تقليل الاعتماد على الوقود المستورد من الأساس.
وبهذا المعنى، تحولت حرب إيران إلى درس استراتيجي لآسيا. فالمنطقة التي بنت نموها على تدفق الطاقة من الخليج تكتشف الآن أن ازدهارها قد يتوقف عند مضيق ضيق. ومن ثم، لم يعد الاحتياطي النفطي مجرد بند في سياسة الطاقة، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي والقدرة على النجاة في عالم تتكاثر فيه الحروب ونقاط الاختناق.





