الأربعاء, أغسطس 19, 2026
spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

ثلاثة ملفات… وثلاثة مفاتيح لإنقاذ لبنان

لم يعد لبنان يحتمل تأجيل الملفات الكبرى أو ترحيلها من عهد إلى آخر. فبعد سنوات من الحروب والأزمات والانهيارات، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية خروج اللبنانيين من الأزمة، بل بات مرتبطاً بمدى امتلاك الدولة الجرأة لفتح الملفات التي أوصلت البلاد إلى واقعها الحالي.

وتختصر ثلاثة ملفات، إلى حد بعيد، مسار الانهيار اللبناني، فيما يشكل حسمها اختباراً جدياً لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.

الملف الأول هو انفجار مرفأ بيروت، الذي مضت على وقوعه ست سنوات، فيما لا تزال الحقيقة تنتظر الوصول إلى العدالة. فاللبنانيون لا يريدون الانتقام، بل يطالبون بإجابات واضحة عن الجهات التي استوردت المواد، ومن سمح ببقائها، ومن قصّر، وما إذا كان الانفجار نتيجة إهمال كارثي أم أفعال جرمية تستوجب المحاسبة. ولا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تترك أكبر كارثة في تاريخها الحديث رهينة التعطيل والتجاذب.

أما الملف الثاني، فيتمثل بالانهيار المالي والاقتصادي. فلبنان لم يسقط مالياً بفعل الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات وأخطاء وقرارات وممارسات امتدت لسنوات. وتطرح هذه الأزمة أسئلة عن المسؤول عن تبديد المال العام، والجهات التي استفادت من الهندسات المالية، وكيف خرجت مليارات الدولارات إلى الخارج بينما كان اللبنانيون يخسرون مدخراتهم، ومن سيكشف للرأي العام حقيقة ما جرى. وهذه الأسئلة ليست مادة للسجال السياسي، بل مدخل لاستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

أما الملف الثالث، فهو حصرية السلاح بيد الدولة، وهو ملف بات في صلب النقاش الداخلي والخارجي. ولم يعد الجدل يدور حول وجود المشكلة، بل حول كيفية معالجتها وتوقيتها وآليات تنفيذها. فلا يكتمل قيام الدولة إلا عندما تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد، وعندما تطبق قراراتها على كامل أراضيها، بعيداً من أي ازدواجية في السلطة أو السلاح.

لكن هذه الملفات لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى خطوات عملية.

ففي ملف المرفأ، ينتظر اللبنانيون أن يسلك التحقيق القضائي مساره حتى النهاية، وأن تصدر القرارات القضائية وفق الأصول، وصولاً إلى محاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

وفي الملف المالي، يبقى كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي، إذ لا يمكن بناء اقتصاد جديد فوق أنقاض حقيقة مدفونة.

أما في الملف السيادي، فتتجه الأنظار إلى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها واستكمال مسار بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما ينسجم مع التفاهمات والالتزامات التي دخلت حيز التنفيذ، ويكرّس احتكار الدولة وحدها لقرار السلم والحرب.

إن نجاح لبنان لن يقاس بعدد المؤتمرات الدولية التي تعقد من أجله، ولا بحجم الوعود التي تقدم له، بل بقدرته على مواجهة هذه الملفات الثلاثة بشفافية وشجاعة. فالدول لا تنهض بإخفاء الحقائق، بل بكشفها، ولا تستعيد ثقة شعبها إلا عندما تثبت أن لا أحد فوق القانون، وأن المصلحة الوطنية تعلو على كل الحسابات.

ويواجه لبنان اليوم فرصة جديدة، لكنها قد تكون من الفرص الأخيرة. فإذا نجحت الدولة في كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة قرارها الكامل، تكون قد وضعت نفسها على طريق الإنقاذ الحقيقي. أما إذا بقيت هذه الملفات أسيرة التسويات والاصطفافات، فستتغير عناوين الأزمات، لكن نتائجها ستبقى واحدة: دولة ضعيفة، واقتصاد منهك، ومواطن يدفع الثمن.

ويبقى الوضع المقلق في الجنوب الشغل الشاغل للمسؤولين، الذين يسعون عبر المفاوضات المباشرة، رغم بعض التعثر الذي شهدته جولتها السابعة في روما، إلى تأمين انسحاب متدرج للجيش الإسرائيلي، وعودة الأهالي إلى قراهم، والبدء بورشة إعادة الإعمار. ويتصدر موضوع مستقبل قوات “اليونيفيل” الهم اليومي لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي سيزور روما غداً لهذه الغاية، تفادياً لأي فراغ قد يحدث مع انتهاء عمل هذه القوات.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles