عندما يفقد الإنسان إنسانيته…جوزيف نخلة

في كل عصرٍ ظنّ الناس أن قوة الأمم تُقاس بعدد جيوشها، أو بثرواتها، أو بما تملكه من علوم وتقنيات. لكن صفحات التاريخ كانت تهمس دائمًا بحقيقة مختلفة: ما من حضارة سقطت لأن حجارتها ضعفت، بل لأن الإنسان فيها ضعف. فالمدن لا تنهار يوم تتصدع جدرانها، بل يوم تتصدع الضمائر التي تسكنها.
إن الله، منذ فجر الخليقة، لم يصنع الإنسان ليكون أداة في يد أخيه الإنسان، ولا رقمًا في معادلات السياسة، ولا وقودًا لمعارك الطامعين. لقد خلقه حرًا، كريمًا، قادرًا على أن يعكس شيئًا من نور السماء على الأرض. لذلك كانت كرامة الإنسان، في جوهرها، مشروعًا إلهيًا سابقًا لكل دولة، ولكل حزب، ولكل نظام، ولكل حضارة.
وحين ينسى الإنسان هذه الحقيقة، يبدأ الانحدار.
لا يبدأ سقوط الأمم من حدودها، بل من قلوب أبنائها. يبدأ عندما يصبح الصدق سذاجة، والأمانة خسارة، والرحمة ضعفًا، والضمير عبئًا يجب التخلص منه. يومها تتحول المناصب إلى تجارة، والقوانين إلى أدوات انتقام، والإعلام إلى مصنع للأوهام، والعلم إلى وسيلة للسيطرة بدل أن يكون رسالة لتحرير الإنسان.
ولعل التاريخ لم يترك أمة إلا وقدم فيها درسًا بليغًا. كم من إمبراطوريات ملأت الدنيا رهبةً ثم تلاشت حتى لم يبق منها إلا الأعمدة المكسورة والمتاحف والكتب. وكم من ممالك ظنت أن سلطانها خالد، فإذا بها تصبح ذكرى يرويها المؤرخون. لم يكن الزمن وحده سبب أفولها، بل لأن العدالة تراجعت، والطمع تمدد، والإنسان فقد قيمته أمام بريق السلطة والمال.
وليس المقصود أن الماضي كان كاملًا، ولا أن الحاضر شرٌّ مطلق، بل إن لكل زمن امتحانه. وامتحان عصرنا ربما هو الأصعب، لأن الإنسان بات يمتلك قدرة هائلة على التأثير في العالم، بينما لم ينمُ ضميره بالسرعة نفسها. أصبح بإمكان كلمة واحدة أن تشعل فتنة، وبضغطة زر أن تُدمَّر سمعة إنسان، وبقرار واحد أن تتبدل حياة آلاف العائلات. ولهذا أصبحت المسؤولية الأخلاقية أعظم من أي وقت مضى.
إن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة ذكاء، فالعالم لم يكن يومًا أكثر علمًا مما هو اليوم. وليست أزمة إمكانات، فالبشرية تملك من الوسائل ما كان يُعدّ معجزة قبل عقود. إنها، قبل كل شيء، أزمة قلب. فالعقل يصنع الآلة، أما الضمير فهو الذي يقرر كيف تُستخدم.
ولهذا جاءت الرسالات السماوية لتذكّر الإنسان بأنه ليس سيد الكون المطلق، بل وكيلٌ على خليقة ائتمنه الله عليها. وجاءت لتعلن أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنح؛ ولا بما يجمع، بل بما يزرع؛ ولا بما يفرضه على الآخرين، بل بما يقدمه لهم من رحمة وعدل.
وفي شخص السيد المسيح نرى هذه الرسالة في أنقى صورها. لم يدخل التاريخ فاتحًا مدينة، بل فاتحًا القلوب. لم يجلس على عرش، بل جلس إلى موائد الفقراء والخطأة والمنسيين. لم يرفع سيفًا ليكسب الناس، بل فتح ذراعيه ليحتضنهم. كانت حياته إعلانًا متواصلًا أن الإنسان أثمن من السلطة، وأن المحبة أقوى من الخوف، وأن الغفران يملك قدرة على تغيير التاريخ أكثر مما تملكه الكراهية.
لقد علّم البشرية أن العظمة لا تُقاس بعدد الذين يخدمونك، بل بعدد الذين تخدمهم. وأن الإنسان لا يرتفع عندما يقهر الآخرين، بل عندما ينتصر على أنانيته. وهكذا تحولت حياته إلى مدرسة لا تزال، بعد ألفي عام، تُلهم ملايين البشر ليؤمنوا أن الخير ليس ضعفًا، وأن الرحمة ليست هزيمة، وأن التضحية من أجل الآخر هي أسمى انتصار.
كم يحتاج عالمنا اليوم إلى هذه العودة…
عودة إلى الإنسان قبل الاقتصاد، وإلى الضمير قبل القانون، وإلى التربية قبل العقوبة، وإلى المحبة قبل الخصومة.
فليس مستقبل الأوطان مرهونًا فقط بما يُبنى من طرق وجسور وأبراج، بل بما يُبنى داخل الإنسان من صدق، وأمانة، وشجاعة، ورحمة. وإذا نجحنا في تربية إنسان مستقيم، فقد وضعنا حجر الأساس لحضارة تدوم. أما إذا خسرنا الإنسان، فلن تنقذنا كل إنجازات العالم.
لذلك، قبل أن نسأل كيف نبني أوطانًا قوية، لنسأل أولًا: كيف نبني إنسانًا لا يبيع ضميره؟ كيف نربي طفلًا يرى في الآخر أخًا لا خصمًا؟ كيف نصنع قادة يعتبرون السلطة مسؤولية لا امتيازًا؟ وكيف نعيد إلى قلوبنا تلك المساحة التي يسكنها الله، حيث يولد الضمير، وتنمو الرحمة، ويصبح الخير أسلوب حياة لا شعارًا؟
فربما يكون خلاص العالم… أن يتذكر الإنسان من جديد أنه خُلق ليحب، لا ليكره؛ ليبني، لا ليهدم؛ ليكون بركةً لمن حوله، لا عبئًا عليهم.
وعندما يعود الإنسان إلى إنسانيته… تعود الأرض أقرب إلى السماء.
**اليوم يصادف ذكرى القديس شربل، البشري بطبيعته والألوهي في ترفعه. كم من المسافات تبعدنا عن شربل القديس؟ وكم من المسافات لنا بعد لنصل حدود السماء وعتبات الخالق..؟؟



