محمد الحاجم – خاص ستار نيوز فيجن
في إصدار أدبي وفكري يعيد الاعتبار إلى قوة الكلمة في مدّ جسور التواصل بين الحضارات، وقّعت الإعلامية والشاعرة والكاتبة نوال عليان الحوار كتابها الجديد «الأدب الدبلوماسي – في أنطولوجيا الشعراء والدبلوماسيين العرب»، الصادر عن دار النهار، وذلك خلال فعاليات الدورة السابعة والستين لمعرض بيروت الدولي للكتاب، في خطوة ثقافية تضيء على وجهٍ مختلف من وجوه الدبلوماسية العربية، حيث تتقدّم القصيدة لتصبح رسالة حضارية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتحمل في طيّاتها ذاكرة الشعوب وهويتها وتطلعاتها.
ويأتي هذا الإصدار، الممتد على 204 صفحات، ليشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، من خلال مقاربة أدبية وفكرية تجمع بين الشعر والدبلوماسية، وتستعيد تجارب نخبة من الشعراء والأدباء العرب الذين حملوا أوطانهم في قصائدهم، كما حملوا رسائلها في مواقعهم الدبلوماسية والثقافية، فكانوا سفراء للكلمة بقدر ما كانوا ممثلين لبلدانهم في المحافل الدولية.
لا يتعامل كتاب «الأدب الدبلوماسي» مع الشعر بوصفه تعبيرًا وجدانيًا منفصلًا عن حركة التاريخ، بل يقدّمه باعتباره قوة ثقافية قادرة على اختراق المسافات، وتجاوز الحواجز، وإقامة حوار إنساني لا تحدّه الجغرافيا ولا تحكمه المصالح السياسية الضيقة.
ومن هذا المنطلق، تنطلق نوال الحوار في مؤلَّفها من سؤال جوهري: ماذا يحدث للشاعر حين يغادر حدود وطنه، ويجد نفسه في عواصم العالم ممثلًا لبلاده؟ وهل تبقى القصيدة على حالها، أم أن السفر والاحتكاك بثقافات أخرى يفتحان أمامها آفاقًا جديدة؟
إنه سؤال يتجاوز السيرة الشخصية للشاعر الدبلوماسي، ليطال العلاقة العميقة بين الهوية والانتماء والانفتاح على الآخر، وبين الذاكرة الوطنية والتجربة الإنسانية الأوسع.
وفي مقدمة الكتاب، تستحضر الحوار الإرث الحضاري العربي في التواصل بين الشعوب، مستعيدةً صورة هارون الرشيد وهو يرسل إلى شارلمان هداياه، ومن بينها الساعة المائية الشهيرة، بوصفها شاهدًا على حضور حضاري عرف كيف يخاطب الآخر بلغة العلم والثقافة والرمز.
ومن هذه الصورة التاريخية، تنتقل المؤلفة إلى الدبلوماسية الأدبية المعاصرة، حيث لم تعد الرسائل محصورة بالمراسلات الرسمية، بل أصبحت القصيدة نفسها وسيلة للتعريف بالأوطان، ونقل تجاربها، وإبراز خصوصيتها الثقافية والإنسانية.
أنطولوجيا تستعيد أسماء صنعت حضورها في الشعر والدبلوماسية
تتجلّى أهمية هذا الإصدار في اختياره مجموعة من الشخصيات الأدبية العربية التي جمعت بين الإبداع الشعري والعمل الدبلوماسي أو الحضور الثقافي المتصل به، عبر أجيال وتجارب وبلدان مختلفة.
ويضم الكتاب قراءات تتناول أسماء بارزة، من بينها أرشد توفيق، وتوفيق يوسف عوّاد، وصلاح ستيتية، وعبد الولي الشميري، وعبد الرحمن شلقم، وعبد المنعم الرفاعي، وعبد الوهاب البياتي، وعمر أبو ريشة، وعبد العزيز خوجة، وغازي القصيبي، ومحمد الفيتوري، ومحمد ولد الطالب، ونزار قباني، وهارون هاشم رشيد، وهلال السيابي.
ولا تكمن أهمية جمع هذه الأسماء في مجلد واحد في تعداد مناصبها أو استعادة محطات حياتها فحسب، بل في محاولة قراءة التجربة الشعرية من زاوية علاقتها بالسفر والاغتراب والتمثيل الوطني واللقاء بالثقافات الأخرى.
فلكل شاعر من هؤلاء عالمه الخاص، ولكل تجربة خصوصيتها الجمالية والفكرية، غير أن الخيط الذي يجمعها هو قدرة الكلمة على التحول من تعبير فردي إلى رسالة تتجاوز صاحبها، وتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية.
نزار قباني والبياتي والقصيبي… وجوه متعددة للقصيدة العابرة للحدود
يحضر نزار قباني في الكتاب من خلال عنوان لافت: «رحلة القصيدة من الحب إلى الوطن فلسطين»، في مقاربة تستحضر التحولات التي شهدتها تجربته الشعرية، وانتقال القصيدة بين الوجدان الشخصي والهمّ القومي والإنساني.
أما عبد الوهاب البياتي، فتتناوله المؤلفة تحت عنوان «من عبد القادر الكيلاني إلى محيي الدين بن عربي»، بما يفتح المجال أمام قراءة الأبعاد الروحية والفكرية والرمزية في تجربته، وعلاقتها بالأسئلة الكبرى التي شغلت الشعر العربي الحديث.
ويحضر غازي القصيبي من خلال «محطات ثرية»، بما يمثله من نموذج جمع بين الشعر والفكر والعمل الدبلوماسي والإداري، فيما تتوقف عند عمر أبو ريشة في «الرحلة الطويلة»، وعند صلاح ستيتية بوصفه «الشاعر والدبلوماسي والأديب والمثقف».
وفي تجربة هارون هاشم رشيد، يستحضر الكتاب صورة «الشاعر الدبلوماسي وحارس ذاكرة العودة»، حيث تتحول فلسطين من قضية سياسية إلى ذاكرة إنسانية وشعرية حاضرة في الوجدان، ويصبح الشعر وسيلة للمحافظة على الهوية وحق العودة.
أما محمد الفيتوري، فتقرأ المؤلفة حضوره الشعري، فيما تفتح تجارب أخرى في الكتاب أبوابًا على تنوّع البيئات العربية، وتعدد أصواتها، واختلاف رؤاها للإنسان والوطن والعالم.
وهكذا، لا تقتصر الأنطولوجيا على مدرسة شعرية واحدة، بل تتيح للقارئ الاقتراب من تجارب متباينة، تجمعها قدرة الأدب على عبور الحدود.
حين يحمل الشاعر وطنه في حقيبته
من أبرز الأفكار التي يمنحها الكتاب مساحة خاصة، أن الشاعر الذي يسافر إلى العالم لا يغادر وطنه بالمعنى الثقافي والوجداني، بل يصطحبه معه في لغته وصوره وذكرياته وقصائده.
وتعبّر نوال الحوار عن هذه الرؤية في مقدمتها بقولها:
«هؤلاء الذين أقدّمهم هنا لم يحملوا جوازات سفرهم وحدها، بل حملوا كتبهم وقصائدهم وذاكرات أوطانهم».
وتضيف في توصيف دورهم أنهم كانوا «سفراء للكلمة الجميلة، وللحوار، وللثقافة العربية التي طالما وجدت في الأدب جسرًا يصل ما بين الشعوب».
وتختصر هذه الفكرة جانبًا أساسيًا من فلسفة الإصدار، فالوطن في التجربة الشعرية ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما ذاكرة حيّة تستمر في تشكيل وجدان الشاعر أينما حلّ.
ومن هنا، يكتسب عنوان «الأدب الدبلوماسي» دلالته الأعمق، إذ يطرح مفهومًا للدبلوماسية لا يتوقف عند حدود العلاقات الرسمية، بل يمتد إلى التأثير الثقافي والإنساني، وإلى قدرة الأدب على بناء جسور قد تعجز السياسة أحيانًا عن إقامتها.
إصدار يفتح النقاش حول القوة الناعمة للثقافة العربية
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية وتتزايد فيه الانقسامات، يكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة، لأنه يعيد طرح سؤال دور الثقافة العربية في تشكيل صورة المجتمعات والتعريف بقضاياها خارج حدودها.
فإذا كانت الدبلوماسية التقليدية تعتمد على التفاوض والاتفاقيات والتمثيل الرسمي، فإن الدبلوماسية الثقافية تستند إلى أدوات مختلفة، أبرزها الأدب والفن والفكر واللغة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة «الأدب الدبلوماسي» بوصفه دعوة إلى إعادة اكتشاف القوة الناعمة العربية، وإلى النظر إلى الشعراء والمبدعين باعتبارهم شركاء في صناعة الحضور الحضاري للأمة.
فالقصيدة التي تصل إلى قارئ في بلد بعيد، وتنجح في ملامسة وجدانه، قد تحقق شكلًا من أشكال التقارب الإنساني يتجاوز اختلاف اللغات والانتماءات والمواقف.
وما يمنح هذا الطرح قيمته الفكرية هو أنه لا يفصل بين الإبداع والانتماء، ولا يضع الوطنية في مواجهة الانفتاح، بل ينظر إليهما بوصفهما عنصرين متكاملين في بناء شخصية المثقف العربي القادر على مخاطبة العالم من موقع الاعتزاز بهويته.
نوال الحوار… تجربة إعلامية وشعرية في خدمة الثقافة
ويحمل الإصدار الجديد بصمة تجربة نوال عليان الحوار، الإعلامية والشاعرة والكاتبة في الشأن الثقافي، المولودة في مدينة القامشلي السورية، والتي جمعت في مسيرتها بين الكتابة الأدبية والعمل الإعلامي والاهتمام بالقضايا الثقافية.
وسبق أن صدرت لها مجموعات شعرية عدة، بينها «قهوة المساء»، و«القطا في مهب العطش»، و«وتغريني الغزالة».
كما أعدّت وقدّمت برامج ثقافية عبر محطات تلفزيونية عربية، من بينها BBC وANB والقناة الثقافية السعودية، ما أتاح لها الاحتكاك بتجارب فكرية وأدبية متنوعة.
وتبدو هذه الخلفية حاضرة في اختيار موضوع الكتاب، الذي يجمع بين الحس الشعري والاهتمام بالتوثيق الثقافي، ويمنح القارئ فرصة للتعرف إلى شخصيات أدبية من منظور يتجاوز حدود النصوص إلى التجارب الإنسانية التي أحاطت بها.
وفي هذا السياق، لا يبدو الإصدار مجرد تجميع لأسماء أدبية معروفة، بل محاولة لبناء مساحة حوار بين تجارب شعرية عربية متباعدة في الزمن والجغرافيا، لكنها تلتقي عند الإيمان بدور الكلمة في التعبير عن الإنسان وقضاياه.
معرض بيروت للكتاب… مساحة للقاء الفكر والأدب
ويكتسب توقيع الكتاب في الدورة السابعة والستين لمعرض بيروت الدولي للكتاب رمزية ثقافية، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها بيروت في تاريخ النشر العربي، ودورها في احتضان الأصوات الأدبية والفكرية القادمة من مختلف البلدان.
فبيروت التي شكّلت على مدى عقود ملتقى للمثقفين والشعراء والناشرين، تواصل عبر معارضها وفعالياتها الثقافية تأكيد دور الكتاب في حماية الذاكرة، وإحياء النقاش الفكري، وتوسيع مساحات التفاعل بين الأجيال.
ويأتي حضور «الأدب الدبلوماسي» في هذا المشهد ليضيف بعدًا جديدًا إلى النقاش حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، وحول مسؤولية المثقف في تقديم صورة إنسانية وحضارية عن وطنه، بعيدًا من الصور النمطية التي تفرضها الأزمات والصراعات.
كما يعكس الإصدار أهمية المحافظة على الإرث الأدبي العربي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، ليس بوصفه مادة تاريخية جامدة، وإنما باعتباره تجربة حية قادرة على إلهام الحاضر والمستقبل.
لعلّ القيمة الأعمق التي يطرحها كتاب نوال الحوار تكمن في إعادة الاعتبار إلى الإنسان خلف المنصب، وإلى الشاعر خلف الصفة الدبلوماسية، وإلى الوطن الذي يظل حاضرًا في القصيدة حتى عندما يكون صاحبه على مسافة آلاف الكيلومترات منه.
فالدبلوماسي قد تنتهي مهمته بانتهاء ولايته، وقد تتبدل العواصم والمناصب والظروف السياسية، لكن النص الأدبي يمتلك قدرة مختلفة على البقاء، وعلى الوصول إلى أجيال لم تعاصر صاحبه ولم تعرف الظروف التي كُتب فيها.
وبذلك، يقدّم «الأدب الدبلوماسي – في أنطولوجيا الشعراء والدبلوماسيين العرب» قراءة ثقافية تستحق الاهتمام، لأنه يعيد وصل الشعر بالتاريخ، والإبداع بالهوية، والدبلوماسية بالوجدان الإنساني.
وفي المحصلة، فإن توقيع نوال الحوار لإصدارها الجديد في معرض بيروت الدولي للكتاب ليس مجرد محطة في مسيرتها الأدبية، بل مناسبة لإعادة فتح سؤال ثقافي كبير: هل تستطيع القصيدة أن تكون سفارةً لوطن، وأن تنقل صورته إلى العالم بلغة أكثر عمقًا وصدقًا من الخطابات الرسمية؟
قد لا تحمل القصيدة جواز سفر، ولا تنتظر موعدًا على أبواب السفارات، لكنها تستطيع أن تعبر الحدود، وتسكن ذاكرة الشعوب، وتمنح الأوطان حضورًا يتجاوز الخرائط.
وهنا تكمن رسالة الكتاب: حين تصبح الكلمة جسرًا بين الحضارات، ويغدو الشاعر سفيرًا لوطنه، لا تنتهي مهمته بانتهاء المنصب، لأن الأدب يواصل رحلته حيث تتوقف الدبلوماسية.

















