spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

عبقرية دايفيد رو وأسطوريّة ديل راي ثنائية الأوتار والعصا في حوار ملحميّ مع الأوكسترا الفلهارمونيّة

ماجدة داغر

سجلت بيروت حدثاً موسيقياً استثنائياً شكّل محطة مفصلية في مشهدها الثقافي، إذ احتضنت كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين – الأشرفية، أمسية سمفونية عالمية بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، الكونسرفتوار، المؤلفة الموسيقية هبة القواس. أحيت الحفل الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية التي استضافت في برنامج رفيع المستوى، قائد الأوركسترا العالمي المرموق المايسترو القادم خصيصاً من نيويورك ديفيد رو (David Wroe)وعازف الغيتار الإسباني الأسطوري خوسيه ماريا غاياردو ديل ري (José María Gallardo del Rey)وذلك في سياق الاحتفالية المستمرة بسنة وليد غلمية – 2026. 

وسط حضور كثيف ونوعي تقدمته شخصيات وزارية، ونيابية، وسياسية، ودبلوماسية، وإعلامية، وثقافية ونُقل مباشرة عبر شاشات تلفزيون لبنان والمؤسسة اللبنانية للإرسال وvdl24 ، اختبر جمهور الموسيقى في لبنان لحظات نادرة من الإلهام الموسيقي المتميز، وانتقل إلى عوالم نغمية شفافة جسدت أرقى أشكال التناغم الأوركسترالي. فعاش الحاضرون لحظات من الاستشراف الموسيقي والاستغراق التام، وهم يتابعون تفاصيل الأداء الثنائي بين أوتار الغيتار المنسابة بدفء ورقيّ، وعصا المايسترو التي ضبطت إيقاع المشاعر بدقة متناهية، مع التماوج النغمي وتصاعد الطاقة التعبيرية في الكنيسة.

​طغى الحضور الساحر والجذاب للقائد دايفيد رو في إدارته دفّة هذه الأمسية، لما يتمتع به من كايزما قيادية، وهو صاحب التجربة العريقة في فن القيادة. والمايسترو رو هو المدير الفني لأوركسترا نيو جيرسي الفلهارمونية والمدير الموسيقي لفرقة The Irish Tenors وأوركسترا مانهاتن، والقائد الرئيسي لمهرجان فينيسيا الدولي للأصوات. وهو سليل مدرسة العباقرة، إذ عمل لسنوات طويلة مساعداً تاريخياً للأسطورة سيجي أوزاوا في أوركسترا بوسطن السمفونية، وقاد أعظم الفرق الأوركسترالية في العالم من بوسطن وسانت لويس إلى الأوركسترا الملكية الاسكتلندية وكبرى المسارح والبلدان في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. أسر رو الجمهور بحضوره اللافت وعصاه التي تدمج بدقة متناهية بين وقع النبض (The Ictus) ورهافة التفسير الفني العضوي.

​فالقائد الحقيقي، في فلسفة ديفيد رو، هو المحرك الروحي الذي ينفخ الحياة في مدونة النوتات الصامتة ويصهر عشرات الطاقات العازفة في جسد نغمي واحد. إنه المعماري الذي يعيد رسم الفضاء الصوتي بحركاته اللطيفة والحازمة في آن، محولاً البروفات اليومية إلى حوار تفاعلي خلاق يُبرز أفضل ما لدى الفنانين دون استبداد. ومن هنا، تتجاوز عصا المايسترو حدود منصة العزف لتصبح رمزاً للرؤية، والبصيرة، والقيادة الرشيدة التي توحّد الأصوات المتباينة وتنظّم الإيقاع الإنساني في أبهى تجلياته. وبهذا الحضور الاستثنائي، منح رو الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية نفساً جديداً وقدرة فائقة على تحويل المعزوفات إلى رحلة شعورية تجرف الحضور نحو الذروة الفنية.

​وعلى الضفة الموسيقية الأخرى تجلّى عازف الغيتار الإسباني الرهيف خوسيه ماريا غاياردو ديل راي،سفير الموسيقى في المعهد الوطني العالي للموسيقى،وضيف المعهد في حفلات عديدة سابقة، وأحد أبرز وجوه الغيتار الإسباني في العصر الحديث. ولد ديل راي في إشبيلية وبدأ رحلته مع المعزوفات في الثامنة من عمره، حاملاً إرث مدرسة تارغيغا وخوسيه توماس (تلميذ أندريس سيغوفيا)، ليطوّر أسلوباً فريداً يمزج الصرامة الكلاسيكية بالعمق التعبيري الفلسفي للفلورمنكو. عزف ديل ري على أهم مسارح العالم من “كارنيغي هول” في نيويورك إلى مسرح الشانزليزيه في باريس، وتعاون مع عمالقة الغناء الكلاسيكي كبلاسيدو دومينغو وإلينا غارانشا، جامعاً بين التأليف والعزف والتربية الأكاديمية كأستاذ في كراسي أندريس سيغوفيا في كومبوستيلا وأكاديمية سان فرناندو الملكية للفنون، ويحمل في جعبته مخزوناً إبداعياً غنياً كواحد من أبرز سفراء الموسيقى الإسبانية والعالمية. حضوره على المسرح بلحظات ساحرة حبست أنفاس الحضور، مانحاً الجمهور تجربة نغمية استثنائية امتزج فيها إحساس الفلامينكو بدقة العزف الكلاسيكي المذهل. 

افتتحت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، الدكتورة هبة القواس، الأمسية بكلمةٍ أضاءت فيها على البُعد الحضاري للموسيقى وأبعاد الدبلوماسية الثقافية، حيث قادت الحضور في رحلةٍ عبر برنامج الحفل كحوار بين الذاكرات الحضارية، من «المتنبي» لغلمية إلى رودريغو وسترافينسكي، مؤكدةً أن الموسيقى تتجاوز حدود التمثيل الثقافي لتصنع الوعي الفني، وجاء في كلمتها:
“تلتقي الليلة ثلاث رؤى موسيقية استثنائية، تكشف كلٌّ منها كيف تستطيع ذاكرة الحضارات أن تتحوّل إلى لغة موسيقية جديدة، وأن تُعيد تشكيل إمكانات التعبير والتأليف. في السيمفونية الثانية لوليد غلمية، «المتنبي»، تنبثق من ثلاث نغمات تحمل ملامح مقام الحجاز العربي عمارةٌ سيمفونية رحبة. ومن خلال الدوائر اللحنية المتعاقبة، وتصاعد التوتّر، واتّساع النسيج الأوركسترالي، تتحوّل نواة موسيقية حميمة إلى انعتاق يكاد يبلغ أبعاداً وجودية. هنا لا يحضر الوعي الموسيقي العربي بوصفه مادّة تستعيرها السيمفونية، بل يصبح القوّة التي تتولّد منها بنيتها.

وفي «كونشيرتو أرانخويث» لخواكين رودريغو، تتجاوز آلة الغيتار الإسبانية حدود حجمها وإمكاناتها الصوتية الظاهرة. تتآلف البراعة التقنية والتألّق الإيقاعي والعمق التعبيري في حوار استثنائي مع الأوركسترا، حتى ليغدو لأرقّ همسات الغيتار اتّساعُ عالمٍ سيمفوني بأكمله.

أما في «طائر النار» لإيغور سترافينسكي، فيتحوّل الإيقاع إلى قوّة درامية، واللون الأوركسترالي إلى فضاء للخيال، وتنبعث الحكاية الشعبية الروسية في لغة موسيقية ثورية أسهمت في إعادة رسم ملامح موسيقى القرن العشرين.”

وأضافت القواس متوجهة إلى سفير مملكة إسبانيا لدى لبنان بالقول: سعادة السفير،

يسرّني بصورة خاصة أن أرحّب بكم هذه الأمسية، ونحن نستقبل أحد أبرز سفراء إسبانيا الموسيقيين، خوسيه ماريا غاياردو ديل ري، الذي لا يقدّم لنا اليوم استثنائية فنّه فحسب، بل يُسهم أيضاً في رسم مستقبل التعليم الموسيقي في لبنان.”

وإلى غاياردو ديل راي توجهت قائلة: “صديقي العزيز خوسيه ماريا،

منذ ما يقارب الثلاثين عاماً، جمعتنا مسارح العالم، وكنتُ شاهدة على فرادة موسيقاك: عازفٌ لا تنفصل براعته التقنية عن خياله، ومؤلّفٌ تتّسع لغته الموسيقية لصرامة البناء الكلاسيكي وللعمق التعبيري للفلامنكو.لكنّ ما يمسّني أكثر من ذلك هو أنّ صداقتنا الفنيّة تحوّلت، مع الزمن، إلى التزام مشترك تجاه لبنان. فمن خلال حفلاتك، وتولّيك قيادة قسم الغيتار في الكونسرفتوار، وتأسيسنا معاً مسابقةBIGCAFتُسهم في فتح آفاق جديدة أمام أجيال من الموسيقيين. ولعلّ هنا تتجلّى إحدى أعمق صور الدبلوماسية الثقافية: حين يتحوّل التميّز الفني الذي بلغه شعب إلى استثمار في المستقبل الإبداعي لشعبآخر”.

ثم توجهت القواس بكلمتها إلى القائد رو قائلة: 

“المايسترو ديفيد رو، تُضيف بحضورك بُعداً آخر إلى هذا اللقاء الفني الدولي. بريطاني المولد، أميركي الجنسية والمسيرة الفنية، تجمع في تجربتك تقليدين موسيقيين عريقين. فمن عملك إلى جانب سيجي أوزاوا في أوركسترا بوسطن السيمفونية، إلى مسيرتك الدولية المتميّزة، صقلتَ قدرة استثنائية على إدراك التعبير الأوركسترالي والتحكّم بأدقّ عناصره. وما يميّز قيادتك هو ذلك الذكاء الموسيقي الذي تنحت به الصوت: وضوح النطق الآلي، ودقّة البناء الإيقاعي، وشفافية الأنسجة الأوركسترالية، والتوازن الاستثنائي بين استقلالية الأصوات ووحدة الرنين الجماعي.

أنت تدرك أنّ عظمة الأوركسترا لا تُقاس بقوّة عزفها وحدها، بل أيضاً بنوعية الإصغاء المتبادل بين موسيقيّيها. ونتطلّع إلى أن يتحوّل هذا اللقاء شراكةًفنية استراتيجية ومستدامة، تُسهم من خلالها خبرتك ورؤيتك الموسيقية في مواصلة تطوير أوركسترانا الوطنية الفلهارمونية اللبنانية”.

وتابعت رئيسة المعهد: “سيداتي وسادتي، تلتقي الليلة إسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ولبنان، من خلال علاقات فنية حيّة تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء. وهنا تكتسب الموسيقى معناها الدبلوماسي الأعمق. فبعيداً عن أطر التمثيل الرسمي، تنشأ علاقات تقوم على الثقة والتبادل الفكري والمسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الثقافة.

قد تستغرق الحفلة الموسيقية أمسية واحدة، لكنّ أعظم ما تحقّقه هو ما يستمرّ في النموّ بعد انقضاء النغمة الأخيرة. حين تلتقي الحضارات في الموسيقى، لا تتبادل موسيقاها فحسب، بل تتبادل شيئاً من قدرتها على تخيّل العالم. فكلّ حضارة تحمل في موسيقاها تصوّراً خاصّاً للزمن، وللجمال، ولعلاقة الإنسان بالوجود. وحين تدخل هذه التصوّرات في حوارٍ خلّاق، يتّسع الفكر الموسيقي نفسه، وتولد إمكانات لم تكن لأيٍّ منها أن تكتشفها منفردة. وهذا ما نعيشه الليلة مع خوسيه ماريا غاياردو ديل ري، الذي يحمل إلينا عبقرية الغيتار الإسباني، ومع المايسترو ديفيد رو، الذي يضع خبرته البريطانية والأميركية في حوارٍ حيّ مع موسيقيّي أوركسترانا الوطنية الفلهارمونية اللبنانية”.

وختمت القواس: “هنا تتجاوز الدبلوماسية الموسيقية حدود التمثيل الثقافي، لتصبح مشاركةً في تكوين الوعي الفني، وفي صناعة مستقبلٍ موسيقيّ تتلاقى فيه خبرات العالم مع خصوصية صوتنا اللبناني. ومن لبنان، نريد أن نكون شركاء في هذا الاكتشاف، بصوتنا الذي يشبهنا، وبما نستطيع أن نضيفه إلى موسيقى العالم.

وإلى موسيقيّي الأوركسترا الوطنية الفلهارمونية اللبنانية، أوجّه تقديري وامتناني لتفانيكم، ولسعيكم المتواصل إلى الارتقاء بالأداء نحو أعلى مراتب التميّز الفني.

وإلى جمهورنا العزيز، شكراً لأنكم شركاؤنا في هذه المسيرة الموسيقية، ولأنّ حضوركم وإصغاءكم يمنحان ما نصنعه معاً معناه واستمراريته”.

جاء البرنامج الموسيقي ليترجم رؤية عميقة ومدروسة، مستنداً إلى قراءات تحليلية دقيقة أبرزها المقال التحليلي العميق للدكتورة هبة القواس:

​وليد غلمية (1938–2011) – السمفونية الثانية “المتنبي” (الحركة الثانية: “الترحال):

وفي تقديم الحركة الثانية “الترحال” من سيمفونية “المتنبي”، التي تضيء على “الرحلة من الشوق إلى النشوة” (A Journey from Longing to Ecstasy) يعكس هوية فريدة، حيث تنطلق الموسيقى من نواة صوتية ضئيلة لا تتعدى ثلاث نغمات لتتحول عبر تكرار وتحوّل عضوي خفي (يستحضر روح مقام الحجاز دون اقتباس حرفي) إلى فضاء سمفوني كوني. هنا تصبح الحركة الدائرية للموسيقى أداة لتجسيد فلسفة الترحال والبحث عن المطلق، تماماً كمتاهة الخيال لدى المتنبي، مما جعل الأوركسترا تتنفس ككائن حي واحد يترجم أشواق الروح الإنسانية.

​خواكين رودريغو (1901–1999) – كونشيرتو أرانخويث(Concierto de  Aranjuez): تُعد هذه التحفة الخالدة أعظم كونشيرتو كُتب للغيتار على مر التاريخ. وبأصابع المايسترو خوسيه ماريا غاياردو ديل ري، تحوّلت الحركات الثلاث (Allegro con spirito, Adagio, Allegro gentile) إلى فيضان من المشاعر الجارفة. حركة “الأداجيو” الشهيرة تحديداً، بملامحها الحزينة والساحرة، غمرت أرجاء كنيسة القديس يوسف بندى النغمات الأندلسية، حيث امتزج صدى الغيتار الرقيق مع تراجع وهدير الأوركسترا بقيادة ديفيد رو، ليجسد حواراً أزلياً بين التاريخ الإسباني والوجدان الإنساني.

​إيغور سترافينسكي (1882–1971) – متتالية “طائر النار” (نسخة 1919):

ختمت الأمسية بالانفجار التعبيري البصري والصوتي لعمل سترافينسكي الخالد “طائر النار” (The Firebird Suite) بنسخته التاريخية لعام 1919 التي وضعت حجر الأساس لتعاون سترافينسكي مع أوركسترا دياغيليف. عبر حركات السطوة والجمال ابتداءً من المقدمة (Introduction)مروراً برقصات الطائر وتنوعاتها، وصولاً إلى “الرقصة الجهنمية للملك كاستشاي” (Infernal Dance of King Kastchei) والتهدئة (Berceuse/Lullaby) وصولاً إلى الخاتمة المجيدة (Finale)أبدعت الأوركسترا الفلهارمونية بقيادة ديفيد رو في تفجير الطاقات القصوى للآلات، مانحة الجمهور لوحة سمفونية صاخبة بالحياة والأمل.  

​غمرت موجة عارمة من الدهشة والانبهار صدى القاعة،حيث تفاعل الجمهور الحاشد مع كل تفصيل نغمي بشغف منقطع النظير، متتبعين دقة الإيقاعات وتحولات الأوركسترا بإنصات كامل وانفعال وجداني عميق. وعكس التصفيق الحار والهتافات المتواصلة في ختامالأمسية مدى التأثر البالغ بهذه التظاهرة الموسيقيةالعالمية، التي تجلت فيها أبهى صور الإبداع الإنساني. أثبت هذا اللقاء الكبير، الذي نظّمه الكونسرفتوار، أن الموسيقى تظل الجسر الأبدي للتواصل الإنساني واللغة الكونية العليا التي تتجاوز كل الحدود. لتبقى هذه الأمسية علامة فارقة في الذاكرة السمفونية وشهادة ساطعة على قوة الموسيقى في الارتقاء بالوجدان وصياغة الجمال الكوني.

غادر الحضور الأمسية وفي أرواحهم صدى نغمات عبرت الأزمنة والمسافات، ليفتح هذا الحفل آفاقاً جديدة من إلهام لا يندثر بانتهاء المعزوفة وإنما يبقى شاهداً على سحر اللحظات في الوجدان. 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles