في كل مرة يتعثر فيها المنتخب السوري، تبدأ الدائرة نفسها: غضب جماهيري، انتقادات، تحميل المسؤولية للمدرب، ثم البحث عن اسم جديد وكأن تغيير الرجل الواقف على خط الملعب كفيل بتغيير واقع كرة القدم السورية. تتبدل الأسماء، ويبقى السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته بجدية: هل كانت المشكلة يومًا في المدرب وحده؟
برأيي، لا.
لقد أثبت المدرب الوطني السوري في أكثر من محطة أنه قادر على العمل وتحقيق النتائج عندما تتوافر له الظروف المناسبة. وتجارب أسماء مثل نزار محروس وأيمن الحكيم وغيرهما تؤكد أن المدرب السوري ليس أقل فهمًا للاعب السوري من المدرب الأجنبي، بل قد يتفوق عليه في نقطة أساسية: معرفته بعقلية اللاعب، وبالبيئة التي خرج منها، وبطبيعة الضغوط المحيطة بالمنتخب.
لكننا، بدل أن نسأل كيف نوفر للمدرب الوطني منظومة احترافية تساعده، نعود بعد كل إخفاق إلى السؤال الأسهل: من سيكون المدرب القادم؟
وهنا تكمن المشكلة.
المدرب يتغير… والفوضى تبقى
كرة القدم الحديثة لا تُبنى باسم مدرب، مهما كان كبيرًا. المنتخب الناجح يحتاج إلى مشروع وهوية وآلية واضحة لاختيار اللاعبين ومتابعتهم، وجهاز فني وتحليلي متكامل، وبرنامج إعداد ومباريات مدروسة، ومنظومة للفئات العمرية ترفد المنتخب الأول باستمرار.
أين نحن من كل ذلك؟
لا يمكن أن نطلب من مدرب أن يصنع منتخبًا خلال أسابيع، ثم نحاسبه وكأنه تسلم منظومة مستقرة منذ سنوات. ولا يمكن أن نستدعي اللاعبين من دوريات وبلدان مختلفة، نجمعهم قبل الاستحقاق بفترة قصيرة، ثم ننتظر منهم أن يتحولوا فجأة إلى فريق يعرف كل لاعب فيه كيف يتحرك زميله.
لدينا لاعبون، ولكن امتلاك اللاعبين شيء وبناء الفريق شيء آخر تمامًا.
وهذه، برأيي، إحدى أكبر أزمات المنتخب السوري.
الاتحاد قبل المدرب
من حق الاتحاد السوري لكرة القدم أن يختار المدرب الذي يراه مناسبًا، ومن حقه أن يغيره عندما يفشل. لكن قبل محاسبة المدرب يجب أن نسأل الاتحاد نفسه: ما مشروعكم للمنتخب السوري؟
ليس للاستحقاق المقبل، بل للسنوات الأربع أو الثماني المقبلة.
ما هو شكل المنتخب الذي تريدونه؟ ما فلسفته الكروية؟ كيف يجري اختيار اللاعبين؟ من يتابع المحترفين؟ من يقيّم مستوى الدوري المحلي؟ ما العلاقة بين المنتخب الأول والمنتخبات العمرية؟ وهل المدرب الجديد يأتي ليكمل مشروعًا قائمًا، أم يبدأ كل مرة من الصفر؟
إذا تغير المدرب وتغير معه نصف المنتخب وطريقة اللعب والفكر والأسماء، فنحن لا نبني منتخبًا، بل نجري تجارب متتالية بقميص المنتخب الوطني.
وهذا أخطر من خسارة مباراة.
المدرب الأجنبي ليس عصًا سحرية
لدينا أحيانًا عقدة اسمها «المدرب الأجنبي».
بمجرد وصول اسم أوروبي أو لاتيني، ترتفع التوقعات وكأن جنسية المدرب ستعالج تلقائيًا كل مشكلات الكرة السورية.
المدرب الأجنبي المميز يمكن بالتأكيد أن يقدم الكثير، ولكن بشرط أن يأتي ضمن مشروع واضح وأن يمتلك الأدوات والوقت والصلاحيات. أما استقدام مدرب أجنبي فقط لنقول إن المنتخب أصبح تحت قيادة أجنبية، فهذه ليست خطة.
ليس كل أجنبي أفضل من السوري، كما أن المدرب الوطني ليس أفضل لمجرد أنه سوري. المعيار يجب أن يكون الكفاءة والمشروع والنتيجة.
لكن عندما تكون الإمكانات محدودة والوقت قصيرًا والواقع معقدًا، أرى أن المدرب الوطني الكفوء قد يكون الخيار الأكثر واقعية، لأنه لا يحتاج إلى أشهر حتى يفهم اللاعب السوري والبيئة السورية.
أعطوا المدرب الوطني ما تعطونه للأجنبي
وهنا السؤال الأكثر حساسية: هل يحصل المدرب السوري على الثقة والوقت والصلاحيات نفسها التي نعطيها أحيانًا للمدرب الأجنبي؟
إذا أردنا الحكم عليه بعد مباراتين أو ثلاث، والتدخل في خياراته، ثم إقالته تحت ضغط مواقع التواصل، فمن المستحيل أن نبني استقرارًا فنيًا.
اختاروا مدربًا وطنيًا كفوءًا. أعطوه عقدًا واضحًا ومشروعًا طويل الأمد. وفروا له محلل أداء ومدرب لياقة وجهازًا طبيًا واستكشافيًا محترفًا. افتحوا أمامه ملف كل لاعب سوري محترف في الخارج. ثم حاسبوه على أهداف محددة.
أما أن نعطي المدرب الفوضى ونطلب منه صناعة المعجزة، فهذه ليست محاسبة.
المنتخب ليس مجموعة أسماء
لدينا أيضًا مشكلة أخرى: الانبهار بالأسماء.
كلما ظهر لاعب من أصول سورية في الخارج تبدأ المطالبات باستدعائه، وكأن جمع أكبر عدد من المحترفين يعني تلقائيًا امتلاك منتخب قوي.
لا.
المنتخب ليس «تجميعة» أسماء، واللاعب الذي يناسب ناديًا أوروبيًا قد لا يناسب بالضرورة طريقة لعب المنتخب. والقيمة السوقية لا تضمن الانسجام.
نحن بحاجة إلى فريق قبل حاجتنا إلى نجوم.
نحتاج إلى 11 لاعبًا يعرفون ماذا يريدون عندما يمتلكون الكرة وماذا يفعلون عندما يخسرونها، وإلى بدلاء يفهمون الدور نفسه، وإلى هوية يستطيع المشجع السوري التعرف إليها حتى لو لم يرَ القميص.
أين الفئات العمرية؟
وهنا أصل المشكلة التي نتجنب الحديث عنها.
إذا كان المنتخب الأول يحتاج في كل استحقاق إلى البحث في الخارج عن حلول جاهزة، فعلينا أن نسأل: ماذا أنتجنا في الداخل؟
أين الأكاديميات؟ أين تطوير المدربين؟ أين اكتشاف المواهب؟ أين منتخبات الناشئين والشباب ضمن مشروع متصل بالمنتخب الأول؟
المنتخبات الكبرى لا تبدأ التحضير لكأس العالم قبل التصفيات. هي تبدأ قبل عشر سنوات، عندما يكون اللاعب طفلًا.
إذا لم نبنِ القاعدة، سنبقى كل أربع سنوات نناقش المدرب نفسه ونكرر الخيبة نفسها.
الاتحاد ليس فوق النقد
محبة المنتخب لا تعني التصفيق للاتحاد، وانتقاد الاتحاد لا يعني استهداف الأشخاص.
الاتحاد موجود لكي يخدم كرة القدم السورية، وبالتالي من حق الجمهور والإعلام أن يسألاه عن خطته وقراراته ونتائجه.
وعندما تتكرر الأخطاء، لا يكفي تغيير المدرب وتقديمه بوصفه بداية مرحلة جديدة.
نريد أن نعرف: ما الذي تغير داخل الاتحاد نفسه؟
إذا كانت الآلية نفسها، والإدارة نفسها للأزمات، والتخطيط القصير نفسه، فلماذا ننتظر نتيجة مختلفة؟
كفى البحث عن كبش فداء
المدرب أسهل شخص يمكن تحميله المسؤولية؛ اسمه موجود أمام الجمهور وصورته على الشاشة.
لكن المنتخب أكبر منه.
هناك اتحاد يخطط، ولجان تختار، وإدارة تؤمن المعسكرات والمباريات، ومنظومة يفترض أن تراقب اللاعبين وتطور الفئات العمرية.
لذلك عندما يفشل المنتخب، يجب توزيع المسؤولية بعدالة.
وإذا كان المدرب سيئًا، فحاسبوه. ولكن حاسبوا أيضًا من اختاره، ومن وضع الخطة، ومن وفر له الأدوات، ومن قرر شكل المشروع أساسًا.
المدرب الوطني… ولكن ضمن مشروع
أنا مع المدرب الوطني، ليس من باب العاطفة ولا لأن الجنسية السورية شهادة كفاءة بحد ذاتها، بل لأن لدينا مدربين أثبتوا أنهم قادرون على قيادة المنتخب، ويعرفون تفاصيل اللاعب السوري أكثر من غيرهم.
لكنني أيضًا ضد حرق المدرب الوطني.
اختاروا الأفضل بين المدربين السوريين، ضعوا إلى جانبه جهازًا حديثًا وخبرات متخصصة إذا احتاج إليها، واتركوه يعمل وفق مشروع حقيقي.
وإذا أردتم خبيرًا أجنبيًا، يمكن الاستفادة منه في تطوير المنظومة، وتأهيل المدربين، والتحليل والأكاديميات، بدل الاعتقاد أن وضع أجنبي على رأس المنتخب سيحوّل كل شيء بين ليلة وضحاها.
المنتخب السوري يحتاج قرارًا شجاعًا
الجمهور السوري لا يطلب المستحيل. يريد أن يرى منتخبًا يقاتل، يلعب كرة قدم مفهومة، ويحمل هوية، ويشعر بأن هناك مشروعًا يتقدم حتى عندما يخسر.
لقد تعب السوريون من عبارة «نبني للمستقبل» بينما يأتي المستقبل فنبدأ البناء من جديد.
المطلوب اليوم ليس اسمًا جديدًا على مقاعد البدلاء، بل عقلية جديدة داخل إدارة كرة القدم السورية.
فالمشكلة ليست: مَن يدرب المنتخب السوري؟
المشكلة الحقيقية هي: كيف يُدار المنتخب السوري؟
وحتى يجيب الاتحاد السوري لكرة القدم عن هذا السؤال بوضوح، سيبقى المدرب يتغير، واللاعبون يتغيرون، والوعود تتغير…
وحدها الأخطاء ستبقى ترتدي القميص نفسه.
عامر سلامة




