يدخل الاقتصاد اللبناني خريف عام 2026 في ظل تحوّل كبير في مساره، بعد عام انقلبت خلاله الصورة الاقتصادية بالكامل. فبعد تسجيل نمو قُدّر بـ4.2% في عام 2025، وهو الأسرع منذ بدء الانهيار، تتجه البلاد إلى انكماش بنحو 6.4% هذا العام، بالتزامن مع تضخم يقترب من 17.5%، وفق أحدث التقديرات الدولية.
وتشير التقديرات إلى أن الحرب التي تجددت في آذار تقتطع نحو 10.4 نقاط مئوية من النمو، مقارنة بسيناريو يفترض غياب الصراع. وفي ظل هذا الواقع، يتوسع اقتصاد موازٍ لا تعكسه الإحصاءات الرسمية.
ويصف كثيرون هذا الواقع بأنه “اقتصاد رقمي”، إلا أن الوقائع تبدو أبسط وأقدم. فالوسيط الأساسي للتبادل ليس العملات المشفرة، بل الدولار النقدي. وقدّر أحد التقديرات الدولية حصة الاقتصاد النقدي المدولر بـ45.7% من الناتج، مقارنة بـ26.2% قبل عام، فيما يرجّح اقتصاديون أن تكون هذه النسبة قد تجاوزت نصف الناتج حالياً.
أما العملات المستقرة، فما زال حضورها محدوداً، كما لا يبدو أن التعاميم المصرفية المنشورة تضع قواعد خاصة بها.
وتجري الرقمنة الفعلية عبر مسارين رئيسيين. يتمثل الأول في الدولارات القادمة من الخارج، إذ بلغت تحويلات المغتربين الرسمية نحو 5.8 مليارات دولار في عام 2024، يصل جزء منها نقداً عبر وكلاء ومكاتب تحويل خارج القطاع المصرفي.
أما المسار الثاني فيتمثل في البطاقات، حيث ارتفعت قيمة المدفوعات بواسطتها بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تتحدث شركات البطاقات عن نمو في حجم العمليات يقارب 60% منذ بداية العام.
غير أن انتشار الدفع الإلكتروني لا يتوزع بالتساوي. فبحسب الأرقام، ارتفعت حصة الدفع بالبطاقات في المتاجر الكبرى من 17% إلى 36%، وفي المتاجر المتوسطة من 7.5% إلى 20%، بينما بقيت النسبة دون 20% في المتاجر الصغيرة. ولا تتجاوز هذه الحصة 12% في محطات الوقود، وتبلغ 23% في الصيدليات، في حين تجاوزت المدفوعات عبر الإنترنت باستخدام بطاقات الحسم 51% من التجارة الإلكترونية. ويعني ذلك أن الرقمنة تتركز إلى حد كبير في المتاجر الكبرى المتاحة عبر الإنترنت.
وفي هذا السياق، يتشكل خط طبقي جديد. وبحسب مصدر اقتصادي تحدث إلى “لبنان24″، فقدت الأجور الحقيقية في القطاع العام أكثر من 80% من قيمتها مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2019، في وقت تحافظ الأسر التي يصلها دولار من الخارج على مستوى استهلاك أكثر استقراراً.
وأضاف المصدر: “وعليه، لا تمر الفجوة بين من يملك تطبيقاً ومن لا يملكه، بل بين من لديه قناة دولار خارجية، وظيفة أو قريب أو عميل أجنبي، ومن يعتمد على دخل محلي”.
ويشير المصدر إلى أن التقديرات الدولية تحذر من أن الاقتصاد النقدي المدولر يعرقل التعافي، ويرفع مخاطر تبييض الأموال والتهرب الضريبي. وبذلك، لم يعد السؤال في لبنان متعلقاً بمن يستخدم العملات الرقمية، بل بمن يملك القدرة على الوصول إلى الدولار، وعبر أي قناة.
المصدر: خاص “لبنان24”





