تحت شعار «زحلة مدينة عالمية للكرمة والنبيذ»، وبرعاية مدير عام وزارة الزراعة المهندس لويس لحود، وبحضور حشد من الفعاليات الثقافية والروحية والاجتماعية والسياسية والتربوية، أقام «ملتقى زحلة للحوار والفكر» ندوة وحفل توقيع كتاب «العرق بداية الشغف» للكاتب يوسف المر، وذلك على مسرح الكلية الشرقية الباسيلية في زحلة، في لقاء جمع بين الثقافة والتاريخ والتراث الزراعي والصناعي للمدينة.
استُهلّ اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه ترحيب من عريف الحفل، المخرج جوزف شعنين، الذي استحضر في كلمته علاقة الزحلاوي بالكرمة والعرق، مؤكداً أن الزحلاوي لا يثمل من الخمر، بل من شذى الكروم، وشكل العنقود المتدلّي، والجلسة المؤنسة تحت العرائش الخضراء، ومن مياه نهر البردوني. واعتبر أن العرق حكاية عصرتها أيادي الأجداد لاكتشاف سرّه.
الأب شربل أوبا: العرق ليس مجرّد شراب، بل حكاية الإنسان وتعبه
من جهته، رحّب رئيس الكلية الشرقية الباسيلية، الدكتور الأب شربل أوبا، بالحاضرين، مشيراً إلى أن الكتاب يحفظ ذاكرة الإنسان ويربط بين العرق والإنسان، فالعرق يبدأ من العنب، والشغف يبدأ من الإنسان.
وتطرّق الأب أوبا، انطلاقاً من دوره كراهب وتربوي، إلى رمزية الكرمة في التعاليم المسيحية، مستشهداً بقول السيد المسيح: «أنا الكرمة وأنتم الأغصان». وأوضح أن الإنسان في الأديرة كان يجمع بين العبادة والعمل، من خلال الزراعة والصناعة، وأن الكرمة شكّلت جزءاً من تاريخ العديد من الأديرة في الشرق والغرب.
كما تناول المعنى الأوسع للعرق، معتبراً أنه لا يختصر في مشروب داخل كأس، بل يرتبط بعرق الفلاح تحت شمس الصيف، والعامل الكادح، والأم التي تربي، والمعلم الذي يبني الأجيال، والراهب الذي يحمل مسؤولياته بصمت.
وأشاد بكتاب يوسف المر، الذي يختصر جوانب من تاريخ البقاع وزحلة ووجوه الأشخاص الذين زرعوا وأنتجوا ووهبوا، مباركاً للكاتب هذا النتاج الثقافي.
الدكتور مارون مخول: الكتاب يستعيد تاريخ لبنان وتراثه الزراعي والصناعي
بدوره، شدّد رئيس ملتقى زحلة للحوار والفكر، الدكتور مارون مخول، على أهمية كتاب «العرق بداية الشغف»، معتبراً أنه لا يؤرّخ لمشروب فحسب، بل يستعيد جانباً من تاريخ لبنان وتراثه الزراعي والصناعي، ولا سيما في مدينة زحلة.
وتناول مخول تطوّر صناعة العرق من الإنتاج المنزلي إلى صناعة تقوم على الخبرة والعلم والدقة، لافتاً إلى ارتباطها بالكرمة والأرض والهوية الثقافية للمدينة، كما أشاد بدور الفلاحين والروّاد المحليين في الحفاظ على هذه الصناعة وتطويرها.
وأكد أهمية الانتقال من الخبرة التقليدية إلى المعايير العلمية في التقطير والإنتاج، مشيراً إلى أن رعاية وزارة الزراعة للحدث تعكس أهمية حماية الصناعات المتجذّرة في الأرض، باعتبارها جزءاً من التراث والذاكرة الجماعية اللبنانية.
وختم بالتأكيد على أن الكتاب يمثّل ولادة متجدّدة لتراث زحلة، وقدرة المدينة على تحويل إرثها الزراعي والصناعي إلى علامة ثقافية واقتصادية راسخة، مشيداً بالصناعات اللبنانية وقدرتها على التجدّد والحفاظ على مكانتها التاريخية.
الدكتورة بوليت أبو منصف: رحلة الكرمة من العنب إلى صناعة العرق
وقدّمت اختصاصية الكرمة، الدكتورة بوليت أبو منصف، محاضرة تناولت فيها تاريخ الكرمة وعلاقتها بلبنان وصناعة العرق، موضحة أن العرق مشروب لبناني مقطّر من العنب ومعطّر باليانسون، يمرّ في الكركة النحاسية محتفظاً بطعم العنب.
وأشارت إلى أصناف العنب المحلية التي تصلح لصناعة العرق، ومنها المرواح والعبيدي، موضحة أن المناخ اللبناني، بتنوّع فصوله والفارق في درجات الحرارة بين النهار والليل، يوفّر ظروفاً مناسبة لزراعة العنب وإنتاج النبيذ والعرق.
كما تناولت أساليب الزراعة الأفقية والعمودية، والتقليم الحديث، وعدد القصبات، وطرق الري والتخمير والتقطير الثلاثي، إضافة إلى دور اليانسون في منح العرق خصائصه المميّزة، بما فيها اللون الأبيض عند امتزاجه بالماء.
لويس لحود: العمل على تعزيز حضور العرق والنبيذ اللبنانيين
وألقى مدير عام وزارة الزراعة اللبنانية، المهندس لويس لحود، كلمة حيّا فيها الكلية الشرقية ورؤساءها وطلابها والأمناء عليها، مثنياً على نشاطات الدكتور مارون مخول في خدمة الثقافة والعلم.
وأشاد لحود بكتاب يوسف المر، معتبراً أنه يشكّل خارطة لنشأة العرق اللبناني وكيفية وصوله إلى زحلة، وتطوّر شكل الكركة التي تُعدّ جزءاً من تراث المدينة، إلى جانب مراحل تطوّر صناعة العرق الحديثة بمختلف أنواعها.
وأشار إلى أن الكتاب سيُعتمد من قبل وزارة الزراعة، نظراً إلى دوره في التعريف بتاريخ العرق الزحلاوي، داعياً إلى تسويق العرق الزحلاوي وتشجيع انتشاره وتصديره.
كما تطرّق إلى أزمة تصريف النبيذ اللبناني، متحدثاً عن مشاريع مشتركة قيد التنفيذ بين وزارة الزراعة والمؤسسات السياحية في لبنان، بهدف تعزيز تسويق النبيذ اللبناني ودعم انتشاره.
يوسف المر: حكاية العرق بين التاريخ والتقطير والهوية الزحلاوية
وفي ختام الكلمات، قدّم مؤلف الكتاب يوسف المر عرضاً لمضمونه، متناولاً تاريخ الإبريق أو الكركة التي نسب اختراعها إلى ابن حيان في العهد العباسي، ومشيراً إلى انتشار العطر في بغداد التي عُرفت ببساتين الورد.
كما تحدث عن انتشار اليانسون في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتاريخ العرق وعلاقته بالعائلات الأرستقراطية، متناولاً نشأته في إسطنبول ودور الأرمن في تطويره، إضافة إلى أصل كلمة «العرق» المرتبط بفعل «عرّق الشيء».
وتناول المر كيفية وصول العرق إلى زحلة، عبر الانكشارية في البحر والأرمن في البر، ودور المتصرفية في انتشاره، قبل أن يطوّر الزحلاويون صناعته بالاستناد إلى اختراع العروس، أي السيلاندر المصنوع من النحاس، وتطوّر صناعة الكركة، فضلاً عن جودة العنب الذي تتميّز به زحلة وطرق مزج المواد المستخدمة في صناعة العرق.
واختتم الكاتب كلمته بتوجيه الشكر إلى الحاضرين والمشاركين في اللقاء.
الفن يرافق حفل التوقيع
وتخلّل الحفل وصلة غنائية للفنان جوزف فاضل، رافقه فيها عزفاً الموسيقي شادي الشمعة، في أجواء أضفت طابعاً فنياً على المناسبة.
وفي ختام اللقاء، جرى توقيع كتاب «العرق بداية الشغف» للكاتب يوسف المر، وسط أجواء احتفالية احتفت بالتراث الزحلاوي، وبالكرمة والعرق بوصفهما جزءاً من ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية، في عمل جمع بين البحث والتوثيق والتاريخ.





