spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

ندوة فكرية في الأشرفية عن كتاب “أخذ دما وغسل يديه – بيلاطس او الجبن القاتل” للخوري غي سركيس

عقدت ندوة فكرية عن كتاب “أخذ دما وغسل يديه – بيلاطس او الجبن القاتل” للخوري غي سركيس، برعاية رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر وبدعوة من “دار المشرق”،   على مسرح le monot – الاشرفية مساء أمس. شارك فيها النائب العام البطريركي المطران بولس روحانا، مدير “دار المشرق” البروفسور الأب سليم دكاش، الروائية والباحثة الجامعية كارول داغر، الاستاذة الجامعية في الكتاب المقدس الأخت يارا متى في حضور النائب سيزار أبي خليل وعدد كبير من الأباء والراهبات الشخصيات الاجتماعية الأكاديمية. 

بداية النشيد الوطني، ثم أدارت الندوة الدكتورة إيمان ريدان التي رأت أن الفكر مدماك للساعين إلى المعرفة وإلى إعادة استكشاف وقائع تاريخية ولغوية، ومعاينتها من منظور جديد، لاستخلاص العِبر منها.

وخلصت الى أن العبرة من الكتاب لا تنحصر في الديانة المسيحية فحسب، بل تتصل برسالته حول الإنسان ودوره المؤثر والفاعل في كل زمان ومكان.

الأب دكاش

وكانت كلمة للأب دكاش:”تفتخر دار المشرق بأن يكون الأب البروفيسور غى سركيس واحدا من خيرة مؤلفيها وأكثرهم عطاءً. فقد نشرت له ثمانية مؤلفات ومقالات عدة لاقت تقدير القراء فى العالم العربي، مسيحيين ومسلمين. وفى أعماله، يعرف كيف يصوغ الفكرة وتحسن عرضها، وكيف يخاطب القارئ، فلا يلامس ذوقه الفكري فحسب، بل يوقظ ضميره ويستنهض طاقته الروحية والأخلاقية. إنّه يجعل المعرفة سؤالاً حنا، ويدعو قارئه إلى مراجعة مواقفه والى النظر في مسؤوليته عن نفسه وعن الآخرين”.

أضاف:” يندرج كتابه “أخذ دما وغسل يديه بيلاطس أو الجبن القاتل” في هذا المسار. فهو يقدم معرفة تاريخية وكتابية وفلسفية، ويفتح تأملا عميقا في السلطة والعدالة والضمير، لكنه أيضًا كتاب يزعج الاطمئنان الكاذب، ويجرؤ على مساءلة المسؤول عن قراراته، وعن صمته وتخاذله. ولا يعرض بيلاطس شخصية انقضى زمانها، بل نموذجا يتكرر كلما عرف إنسان الحق، وامتلك القدرة على نصرته، ثم تراجع خوفا على موقعه أو حرصا على مصالحه”.

تابع:”إن غسل اليدين قد يكون فعل خوف وقد يكون مناورة محسوبة للتنصل من تبعات قرار مقصود.

 وسأل: كيف نكتشف بيلاطسات اليوم والغد ؟ نكتشفهم عندما تحين ساعة الاختيار، ويتبين ما إذا كانت السلطة فى خدمة الإنسان أم فى خدمة بقائها. نكتشفهم فى قاض يرى الظلم ثم يحتمى بالإجراءات، ومدير يعرف أن موظفا يتعرّض للإجحاف ثمّ يصمت إرضاءً لرؤسائه، وسياسي يضحي بالمصلحة العامة صونا لشعبيته، ورجل دين يخشى مواجهة الإساءة حفاظا على صورة المؤسسة. إنه صوت يقول: لستُ المسؤول، فيما يملك صاحبه قدرة فعلية على التدخل”.

وقال: “تبرز هنا مسؤولية من يقف في الموقع المتوسط: يتلقى التعليمات من فوق، وينقلها إلى من هم دونه. إنه رئيس ومرؤوس معًا، وقد يكون ضابطًا أو طبيبًا أو مسؤولا جامعيًا أو إداريًا. ليس صاحب السلطة العليا، لكنّه ليس بلا سلطة. يستطيع أن يسأل، وأن يعترض، وأن يكشف الضرر، وأن يبحث عن بديل عادل. وتبدأ استقالته الأخلاقية حين يقنع نفسه بأن موقعه يعفيه من التفكير، وأن تنفيذ الأمر يلغي مسؤوليته عن نتائجه”.

ورأى أن “بيلاطسات الغد، قد يختبئون خلف التكنولوجيا والخوارزميات. سيقول أحدهم: الحاسوب قرّر، أو النظام رفض الطلب، أو الخوارزمية صنفته خطرًا. وهكذا قد يصبح غسل اليدين رقميا، وتضيع المسؤولية بين المبرمج والمستخدم والإدارة. غير أن اعتماد أداة تقنية لا يلغي واجب مراجعة قراراتها وآثارها. ومهما تعقدت الأنظمة، يبقى وراءها بشر يحددون غاياتها ويقررون استخدامها. ولا يجوز أن يترك إنسان مظلوم أمام شاشة مغلقة، عاجزا عن معرفة من يسمعه ومن ينصفه”.

ختم: “من أي مسؤولية يهرب هؤلاء؟ يهربون أولا من مسؤولية الحقيقة. ففي الرواية الإنجيلية، يعلن بيلاطس براءة يسوع، لكنّه لا يجعل ما أعلنه أساسًا لقراره. وهنا تكمن المأساة: أن يعرف المسؤول، ثم يتصرف كأنه لا يعرف. فالمعرفة ليست زينة للخطاب، بل التزام يترتب عليه موقف. ولا تكفي عبارة كنتُ أعلم لتبرئة صاحبها، إنّها تستدعي سؤالا أشد إلحاحًا : ماذا فعلت بما علمت؟ ويهربون من مسؤولية القرار وحماية الضعفاء”.

 

المطران روحانا

وتناول المطران روحانا في كلمته المنظور الجديد الذي يقدمه الكتاب حول قضية تسليم يسوع، وكيف استطاعت رسالته وجوهر دعوته أن تستفز حفيظة الأحبار (رجال الدين) والفريسيين وتدفعهم للتآمر ضده.

وعرض للسياقات التاريخية واللاهوتية التي أدت إلى اعتقاله، ومحاكمته، ومن ثم تنفيذ حكم الموت عليه صلباً في عهد الحاكم الروماني بيلاطس البنطي. وقال:”بين آلام الصليب وقوة القيامة، رسالة الفداء والمحبة المجانية. فمهما كان حدث الصلب فادحًا وقاسيًا، إلا أنه يظل الحجر الأساسي الذي انطلقت منه البشارة الإنجيلية؛ فالكلمة الأولى والبشرى السارة قد نشأت بالأساس على ضفاف هذا الحدث الفصحي العظيم، المتمثل بآلام السيد المسيح وقيامته المجيدة. بدخول يسوع في تاريخ البشرية، انطلقت معركة روحية كبرى وكفاح مستمر من أجل الجميع، حيث غيّر موته وقيامته مجرى التاريخ، جاعلاً من المسيح قائداً وهادياً للعالم أجمع، كما جاء في إنجيل متى (٢٨: ١٨-٢٠): “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: عُمِدْتُ لِي كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتِلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ”، وهي الدعوة القائمة لنشهد له اليوم. وانطلاقًا من هذا الحدث الفصحي الفارق، عرفت الكنيسة منذ نشأتها الأولى وحتى يومنا هذا مسيرة متواصلة من التقديس والنمو الروحي. وحملت الكنيسة رسالة الصليب لتشهد لعمل يسوع في هداية البشرية، مستمدةً قوتها الحية من بذله وتضحياته من أجل خلاص العالم”.

أضاف: “في خضم السجالات التاريخية والمسارات الروحية والأدبية، برزت بعض المواقف المتسمة بالعدائية، والتي لم تقتصر فقط على تذكر التحريض التاريخي ضد يسوع، بل امتدت لتوصم جماعات بأكملها بأوصاف قاسية مثل “الشعب القاتل للإله” (Peuple déicide). إلا أن الصدمة الأعمق والأقسى عند المسيحيين لا تكمن في هذه الصراعات الخارجية، بل في ضرورة الدخول الروحي الحقيقي إلى جوهر رسالة يسوع، وفهم معاني المحبة المجانية وبذل الذات، والاقتراب الواعي من محبته الكاملة والبعد عن الرياء والزيف”.

ختم:”إن الغيرة الحقيقية على الإيمان تتجلى في الصداقة العميقة مع الله. ومع ذلك، نجد الكثير من المسيحيين اليوم، ولا سيما في الأوقات العصيبة والمفصلية، ينجذبون ويهتمون بما يمكن وصفه بالممارسات الطقسية أو السلوكيات البشرية الظاهرية، بدلاً من التمسك الحقيقي بأفعال يسوع وتعاليمه الحية وجوهر رسالته الفادية”.

الاخت متى

وطرحت الأخت ياره متى في مداخلتها سؤالًا عن الشجاعة في الكتاب المُقدَّس: هل هي هبّة مجّانيّة من الله أم وصيّة موجَّهة إلى الإنسان؟

 وتناولت المُداخلة التوتّر بين ضعف الإنسان أمام الخوف، ودعوة الإيمان التي تمنحه القدرة على الثبات. وقالت:” تظهر من خلال الألفاظ والمفردات ومن خلال شخصيّات بيبليّة (موسى، بطرس، …) أنّ القوّة الحقيقيّة لا تنبع من الذات، بل من الثقة بالله، وتُميِّز بين الخوف العقيم ومخافة الله التي تُعطي الحكمة والحريّة الداخليّة”.

 داغر

واعتبرت الباحثة كارول داغر أن “شخصية بيلاطس، أثارت عبر القرون، أسئلةً لا تهدأ؛ فهي تقف عند مفترق حاد بين التاريخ والإيمان، بين السلطة والضمير، وبين الحقيقة والخوف”.

وقالت: ” إنه بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني الذي وقف وجهًا لوجه أمام المسيح، أمام الحقيقة المتجسدة، ثم اختار أن يسلّمها إلى الموت. لقد قرأت كتاب الأب سركيس عن بيلاطس، فوجدت نفسي أتوقف عند تلك اللحظة الفريدة التي يسأل فيها القاضي المتردد والمتوتر، بيلاطس البنطي، الرجل البريء الذي سيحكم عليه بالموت: “ما هي الحقيقة؟”. هذا السؤال ليس سؤالًا عابرًا، بل هو سؤال يفتح بابًا على أعماق الإنسان وهشاشته، وعلى صراعه الداخلي بين ما يعرفه وما يخشاه. فبيلاطس يعرف الحقيقة، يعرف أن الرجل الذي يقف أمامه بريء. لكنه يجد نفسه ممزقًا بين ما يعرفه وما يخشاه، بين ما يراه وما يختار تجاهله، بين صوت الضمير وصوت الجماهير. وهذا السؤال ليس سؤالًا تاريخيًا فحسب، بل هو سؤال إنساني بامتياز: سؤال السلطة أمام الضمير، وسؤال العدالة أمام الخوف، وسؤال الإنسان حين يرى النور ثم يختار الظلم”.

تابعت: “أما نظرة المسيح الصامتة نحو بيلاطس، فلم تكن جوابًا، بل كانت مرآة؛ مرآة تكشف حقيقة الإنسان أمام نفسه”. وسألت:” كيف يتحول سؤال الحقيقة إلى محكمة للضمير؟ وكيف يصبح الصمت الإلهي حكمًا على من يعرف الخير ولا يفعله؟”.

ختمت: ” هذه هي الرحلة مع بيلاطس، ومع الحقيقة التي عرفها، لكنه لم يجرؤ على حمايتها.

الأب سركيس

شكر الأب غي سركيس كل من شارك وساهم في هذه الندوة وأجاب على أسئلة فلسفية أخلاقية ووجودية طرحها الكتاب. وسأل:” ماذا يفعل الإنسان عندما يجد نفسه أمام صراع بين المبدأ والنتيجة؟ وأين يقف عندما يتعارض ما يؤمن به مع ما يعتقد أنه قد يؤدي إلى خير للآخرين؟ فهل علينا أن نكون ثوريين؟ في بعض الحالات، نعم. أمام ظلم واضح، قد يكون من الضروري أن نرفع الصوت، وأن نفاوض، وأن نرفض، بل وأن نتمرد أحيانًا”.

تابع: ” لكن ما علّمتني إياه الأيام هو أن ما يساعد الإنسان أكثر في حياته هو الالتزام والمسؤولية والعمل المتدرج، التي يمكن أن تكون أحيانًا أكثر قدرة على حماية الإنسان من الاندفاع نحو الثورة”.

واعتبر أنه “يجب أن يكون لدى الانسان مثال يطمح إليه، ولكن ألّا يعتبر نفسه مثاليًا. فإذا اعتبر الإنسان نفسه مثاليًا، فقد يبدأ بالنظر إلى العالم بطريقة ثنائية: هؤلاء يفعلون الصواب، وأولئك يفعلون الخطأ. وهنا يصبح الإنسان أكثر قسوة، وقد يتحول دفاعه عن المثال إلى عنف تجاه الآخرين”.

ختم: “المطلوب أن نتمسك بالمبادئ، من دون أن ندّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، وأن نطمح إلى الأفضل من دون أن نعتبر أنفسنا كاملين”.

بعد ذلك وقع الأب سركيس كتابه.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles