لم يعد الفائض التجاري الصيني مجرد رقم ضخم في حسابات التجارة العالمية. فقد بلغ الفائض 1.2 تريليون دولار عام 2025، في أكبر مستوى يسجل في التاريخ، وهو ما يعكس، بحسب تحليل نشره “Atlantic Council”، استراتيجية صينية متكاملة تقوم على الحد من الاستهلاك الداخلي، ودعم الاستثمار الصناعي، وتصدير الفائض الذي لا يستطيع السوق المحلي استيعابه.
ويشير التحليل إلى أن الصين لا تنتهج سياسة تجارية عدوانية فحسب، بل تعتمد نموذجاً اقتصادياً موجهاً لخدمة هدف أوسع يتمثل في بناء قوة صناعية ومالية وجيوسياسية قادرة على ممارسة الضغط على الغرب.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى 3 ركائز. تتمثل الأولى في الجانب الصناعي، من خلال تقديم دعم حكومي واسع لقطاعات مختارة، وتسريع نقل التكنولوجيا، ودمج سلاسل الإنتاج داخل سوق محلي ضخم يمنح الشركات الصينية أفضلية الحجم. ونتيجة لذلك، تواصل القاعدة الصناعية الصينية توسعها رغم ضعف الطلب المحلي، ما يدفع الشركات إلى خفض الأسعار في الداخل، والتوسع التصديري في الخارج. ويطلق التحليل على هذا المسار اسم “صدمة الصين 2.0”.
أما الركيزة الثانية، فتتعلق بالجانب المالي. إذ لا يبقى جزء كبير من الفائض الخارجي في شكل احتياطات تقليدية تضغط على سعر العملة، بل يعاد تدويره عبر القروض والاستثمارات وتمويل البنى التحتية في الخارج، من خلال بنوك ومؤسسات تابعة للدولة. وبذلك يتحول الفائض من مشكلة مرتبطة بسعر الصرف إلى أداة للنفوذ المالي.
وتتمثل الركيزة الثالثة في الجانب الجيوسياسي. فبكين لا تسعى إلى إحكام السيطرة على سلاسل الإمداد لأسباب صناعية فقط، بل تستخدمها وسيلة للضغط، خصوصاً في ما يتعلق بالمعادن النادرة والمواد الحيوية التي تحتاج إليها صناعات الدفاع والسيارات والإلكترونيات في الغرب، إلى جانب الاستثمار في الموانئ والتكنولوجيا والبنى التحتية في الدول النامية.
غير أن هذا النموذج لا يخلو من تناقضات داخلية. فقد بدأ عدد السكان في سن العمل بالتراجع، فيما لا تزال الثروة المنزلية عالقة في قطاع عقاري مأزوم، وتضغط بطالة الشباب على العقد الاجتماعي الذي قام عليه النمو الصيني طوال عقود. ومع ذلك، يرى التحليل أن النظام السياسي المغلق قادر على إدارة هذه الضغوط لفترة أطول من الأنظمة المفتوحة، بفعل الرقابة والسيطرة على المجال العام.
وتكمن الخطورة في أن قيادة تواجه تباطؤاً داخلياً قد تجد في التصعيد الخارجي، سواء حول تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، وسيلة لتخفيف الضغط الداخلي بدلاً من إصلاح النموذج الاقتصادي.
ويقارن التحليل مسار الصين بتجربة ألمانيا الموحّدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين جمعت بين دولة سلطوية وقاعدة صناعية متقدمة وسوق داخلية واسعة، ما أدى إلى احتكاك متزايد مع القوى القائمة انتهى بصدامات كبرى. ورغم أن المقارنة ليست كاملة، فإن الدرس، وفق التحليل، واضح: عندما يقترن النمو الصناعي السريع بنظام سياسي سلطوي وطموح لمراجعة النظام الدولي، يصبح الخطر استراتيجياً وليس تجارياً فقط.
ويرى “Atlantic Council” أن انتظار انهيار النموذج الصيني من الداخل ليس استراتيجية. فالتراجع الديموغرافي حقيقي، لكنه بطيء، كما أن الأتمتة والروبوتات قد تمنح بكين سنوات طويلة إضافية من القدرة التنافسية.
لذلك، يحتاج الغرب إلى استجابة طويلة النفس. ويبدأ ذلك بحماية بعض الأسواق من المنتجات الصينية المدعومة، إلا أن الرسوم الجمركية وحدها لا تكفي، إذ إنها تشتري الوقت ولا تبني القدرة الصناعية.
ويتمثل العنصر الثاني في استثمار نقاط القوة الغربية، ومنها الأسواق المالية المفتوحة، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات المتقدمة، والآلات عالية الدقة. أما العنصر الثالث، فهو استعادة المنافسة في الجنوب العالمي، حيث بدأت صورة الصين تتضرر بسبب ديون “الحزام والطريق”، في وقت تراجع فيه الغرب عن تقديم بدائل حقيقية.
أما العنصر الرابع، وربما الأهم، فهو ترميم الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها. فلا يمكن مواجهة استراتيجية صينية منسقة عبر تحالف غربي مفكك. وتبقى شبكة الحلفاء قوة مضاعفة للولايات المتحدة، في حين تظل علاقات الصين الدولية أضيق وأضعف على المستويين المؤسسي والثقافي.





