خلال أقل من أسبوع، تلقّى لبنان إشارتين اقتصاديتين خليجيتين عبر مسارين مختلفين. ففي 20 آب، أُعيد تشغيل خط التصدير البري إلى السعودية عبر معبر المصنع، بعد استئناف الصادرات بحرًا في حزيران. ومنذ أمس، يزور وفد إماراتي برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي بيروت لمدة يومين، ويضم 67 من كبار رجال الأعمال والقيادات الاقتصادية، لبحث توسيع التعاون والشراكات بين البلدين.
ولا يعني تزامن الخطوتين وجود قرار خليجي موحّد للعودة الاقتصادية إلى لبنان، كما لا يدل على بدء تدفق الاستثمارات فعليًا. إلا أن السعودية والإمارات تضعان أمام بيروت اختبارين متكاملين؛ فقد أعادت الرياض فتح سوق كانت مغلقة أمام المنتجات اللبنانية بعدما ربطت قرارها بخطوات الدولة وإعادة بناء المؤسسات، فيما تنتقل أبوظبي من استعادة التواصل وحركة السفر إلى بحث فرص اقتصادية تشمل مرافق أساسية، مثل المطار والمرافئ والمعابر.
وبذلك، يتجاوز السؤال حجم الصادرات التي ستصل إلى السعودية أو الاتفاقات التي قد يوقّعها الوفد الإماراتي. فبعد سنوات طغت فيها على علاقة لبنان بدول الخليج ملفات الدعم السياسي والمساعدات والأزمات، تبرز إمكانية انتقال الاقتصاد نفسه ليصبح مقياسًا للثقة بالدولة: هل تستطيع حماية بضائعها وضبط معابرها لاستعادة الأسواق؟ وهل يمكنها توفير بيئة تسمح بعودة الرساميل؟ ومن هاتين البوابتين، هل تبدأ عودة اقتصادية خليجية أوسع إلى لبنان؟
السوق تُفتح من بوابة الدولة
بدأ المسار السعودي رسميًا في 10 حزيران، عندما وجّه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باستئناف دخول الصادرات اللبنانية إلى المملكة. ولم يقتصر اللافت في القرار على رفع الحظر، بل شمل أيضًا حيثياته، إذ ربطته وكالة الأنباء السعودية بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، والتقدم الذي حققته الفرق المختصة خلال العام الماضي، والتعاون اللبناني وتنفيذ الالتزامات المطلوبة. وبعد عشرة أيام، دُشّنت عملية استئناف الصادرات في مرفأ بيروت بحضور السفير السعودي فهد الدوسري ورئيس الحكومة نواف سلام.
وكانت هذه الخطوة مهمة لأن إغلاق السوق السعودية لم يكن لأسباب تجارية. ففي نيسان 2021، أوقفت الرياض دخول الخضر والفواكه اللبنانية بسبب تهريب المخدرات داخل الشحنات، ثم قررت في 29 تشرين الأول من العام نفسه وقف جميع الواردات اللبنانية، في خضم الأزمة السياسية بين البلدين، مع الإشارة أيضًا إلى ملف التهريب وعدم اتخاذ الإجراءات المطلوبة لوقفه. لذلك، جاءت العودة مرتبطة بخطوات قابلة للقياس ميدانيًا، من تعزيز الرقابة والتعاون الأمني إلى تشغيل جهاز مسح متطور في المصنع بالتزامن مع استئناف التصدير البري.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز أهمية معبر المصنع مسألة توفير طريق أسرع أو أقل كلفة لبعض المصدرين. فالمعابر التي شكّلت الرقابة عليها جزءًا من أزمة الثقة أصبحت اليوم جزءًا من استعادتها، فيما بات وصول المنتج اللبناني إلى السوق السعودية مرتبطًا بعمل الجمارك والأجهزة والإدارة، وليس بعلاقة المنتج بالمستورد وحدها. ويعيد ذلك الدولة إلى قلب العلاقة الاقتصادية؛ إذ إن تحسّن الرقابة يسهّل التجارة، في حين يمكن لأي خلل كبير أن يعيد فتح الملف الذي أدى سابقًا إلى إغلاق السوق.
من التجارة إلى اختبار الاستثمار
يختلف المسار الإماراتي، لكنه يلتقي مع المسار السعودي عند نقطة واحدة من جهة أخرى. ففي 29 حزيران، سمحت أبوظبي لمواطنيها بالسفر إلى لبنان مجددًا، بعدما كانت قد أعادت فرض حظر احترازي في 30 نيسان على السفر إلى لبنان وإيران والعراق، في ظل التطورات الإقليمية. وقبل ساعات من بدء زيارة الوفد الاقتصادي، تلقّى وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد اتصالًا من رئيس الحكومة نواف سلام، أشاد خلاله بجهود الحكومة لترسيخ الأمن والاستقرار والسيادة ووحدة الأراضي، فيما بحث الجانبان إمكانات تعزيز التعاون والعمل المشترك.
وتأتي الخطوة التالية عبر الاقتصاد مباشرة. فالوفد الذي يزور بيروت لا يقتصر على مسؤولين حكوميين، بل يضم 67 من كبار رجال الأعمال والقيادات الاقتصادية برئاسة الزيودي. وإلى جانب اللقاءات والشراكات مع القطاع الخاص، تحدثت معلومات صحفية عن توقيع اتفاقات واقتراح تقديم وتطوير خدمات في المطار والمرافئ والمعابر الحدودية. كما يوجد أصلًا مجلس أعمال لبناني-إماراتي عقد اجتماعه الأول في شباط ووضع خطة عمل لعام 2026، ما يجعل الزيارة حلقة في مسار اقتصادي بدأ يتشكّل قبل وصول الوفد.
ومع ذلك، يبقى فارق كبير بين وصول وفد بهذا الحجم واتخاذ قرارات فعلية لضخ الرساميل. فالمستثمر الذي يدرس مشروعًا في مرفق حيوي أو قطاع كبير لا يكتفي بقياس الجدوى التجارية، بل ينظر أيضًا إلى الاستقرار والقواعد القانونية وآليات التعاقد والقدرة على التمويل واستمرارية المؤسسات. لذلك، تبدو الزيارة أقرب إلى اختبار لفرص العودة منها إلى إعلان عودة مكتملة؛ فلبنان يعرض ما لديه، بينما سيكشف ما يأتي بعد الزيارة مدى استعداد رأس المال الإماراتي لتحويل الاهتمام الحالي إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ.
ورغم اختلاف الخطوتين السعودية والإماراتية، فإنهما تضعان أمام لبنان معادلة متقاربة. فقد أعادت الرياض فتح السوق بعدما ربطت القرار بتقدّم الدولة في المؤسسات والالتزامات، فيما تنتقل أبوظبي من استعادة حركة السفر والتواصل إلى اختبار فرص الاقتصاد والاستثمار. والمفارقة أن المعابر والمرافق التي ارتبط بعضها خلال سنوات الأزمة بالتهريب وضعف الرقابة تظهر اليوم في قلب المسارين معًا؛ فمنها تعبر البضائع إلى السوق السعودية، وحولها يدور جزء من الاهتمام الإماراتي. وهذا يعني أن عودة الخليج الاقتصادية إلى لبنان لم تكتمل بعد، لكن طريقها بات يمر بوضوح عبر الدولة ومؤسساتها.





