الخميس, أغسطس 20, 2026
spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

الحرب التي لا يريدها نتنياهو.. والتصعيد الذي يحتاجه

رغم التقديرات التي سادت خلال الفترة الماضية بأن نتنياهو لن يتجه إلى تصعيد واسع في لبنان، ولا سيما عشية الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها من حساسية أمنية في شمال إسرائيل، فإن التطورات الجارية عند محور «علي الطاهر» تشير إلى أن معادلة التصعيد قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.

استندت فرضية «عدم التصعيد» إلى منطق واضح، مفاده أن نتنياهو لا يريد فتح جبهة لبنانية واسعة تعيد سكان الشمال الإسرائيلي إلى الملاجئ، كما لا يرغب في تحول الحدود الشمالية إلى مصدر تهديد انتخابي داخلي، بعدما شكّل ملف إجلاء المستوطنين من مستوطنات الشمال إحدى أبرز نقاط الضعف السياسية والأمنية بالنسبة إلى حكومته. غير أن هذه القراءة تفترض أن التصعيد لا يكتسب قيمة سياسية إلا إذا كان شاملاً، وهو أمر ليس بالضرورة صحيحاً.

ما يجري في علي الطاهر يمكن قراءته باعتباره نموذجاً مغايراً تماماً: تصعيد محدود جغرافياً، عالي الرمزية، ومنخفض الكلفة السياسية، لكنه قد يحقق، في حال نجاحه، قيمة أمنية وإعلامية وانتخابية كبيرة.

والأهم أن نتنياهو قد لا يحتاج، لأسباب انتخابية، إلى حرب جديدة في لبنان، بل إلى «إنجاز» عسكري يمكن تسويقه داخل إسرائيل. وهذا فارق جوهري.

فالحرب الشاملة تفرض أكلافاً كبيرة، تشمل تعبئة القوات، والخسائر البشرية، والاضطراب الاقتصادي، وموجات الصواريخ، واحتمال استئناف إجلاء سكان الشمال، فضلاً عن فتح مسار لا يمكن ضمان نهايته. في المقابل، فإن السيطرة على نقطة مرتفعة أو فرض حزام أمني حولها تقدم صورة مختلفة؛ إذ يتحرك الجيش الإسرائيلي ويحقق مكسباً ملموساً، فيما يستطيع نتنياهو القول لجمهوره إن الأمن الإسرائيلي يتحسن وإن «المعادلة على الحدود تغيّرت»، من دون الانخراط في حرب مفتوحة.

بهذا المعنى، قد تكون علي الطاهر أقرب إلى «إنجاز انتخابي محدود» منها إلى مقدمة تلقائية لحرب شاملة.

ولا تقتصر أهمية التلة على بعدها العسكري، إذ إن للرمزية الجغرافية وزناً كبيراً في السياسة الإسرائيلية. ففرض السيطرة على ارتفاع استراتيجي يمكن عرضه أمام الجمهور بصيغ بسيطة وأكثر تأثيراً، مثل: «تم تحييد موقع يهدد إسرائيل»، أو «أصبح ارتفاع استراتيجي تحت السيطرة»، أو «فرض الجيش واقعاً جديداً على الحدود».

وقد تكون هذه اللغة أكثر فاعلية انتخابياً من الحديث عن عملية عسكرية طويلة لا يعرف الإسرائيليون إلى أين ستقود.

لكن ثمة زاوية أخرى أكثر أهمية، وهي أن التصعيد حول علي الطاهر قد يكون اختباراً لردود الفعل اللبنانية والإقليمية.

فإسرائيل لا تتحرك دائماً بهدف احتلال موقع، بل قد تتحرك أحياناً لقياس حدود الرد: ماذا سيفعل الجيش اللبناني؟ ماذا سيفعل حزب الله؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع العملية؟ وهل يمكن تمرير تغيير ميداني جديد تحت سقف «الدفاع الوقائي»؟

إذا جاءت الإجابات ضمن حدود يمكن التحكم بها، تكون إسرائيل قد حصلت على أكثر من موقع جغرافي؛ إذ تكون قد اكتشفت مساحة جديدة للمناورة السياسية والعسكرية.

وعندها يصبح علي الطاهر جزءاً من معادلة أوسع، عنوانها الانتقال من مرحلة «هل ستنسحب إسرائيل؟» إلى مرحلة «ما الحدود التي يمكن لإسرائيل أن تحتفظ بها أو تغيّرها قبل أن يصبح الأمر غير مقبول؟». وهذا فارق بالغ الخطورة.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سيطرة إسرائيل على تلة، بل في احتمال تحول هذه السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم، ثم إلى خط تماس جديد، وبعد ذلك إلى أمر واقع يجري التفاوض على أساسه.

وقد لا تكون إسرائيل اليوم بصدد البحث عن «حرب لبنان» بقدر ما تسعى إلى «هندسة جديدة للحدود».

ويمكن أن تتم هذه الهندسة تدريجياً: نقطة هنا، وارتفاع هناك، وطريق عسكري، ومنطقة عازلة، ومراقبة جوية، ثم واقع أمني جديد يصبح لاحقاً موضوعاً للتفاوض.

أما نتنياهو، فقد يجد في هذه المقاربة أفضل ما يمكن أن يحصل عليه انتخابياً: حرب من دون إعلان حرب، وتصعيد من دون تعبئة جبهة كاملة، ومكسب عسكري من دون تحمل الكلفة الكاملة للحرب.

إلا أن هذا الخيار ينطوي أيضاً على مخاطرة كبيرة، لأن إسرائيل إذا بالغت في توسيع التصعيد الموضعي، فقد تقع في الفخ الذي تحاول تجنبه أساساً. فعملية تبدأ بهدف السيطرة على ارتفاع قد تتحول إلى احتكاك أوسع، ثم إلى رد من الطرف المقابل، يتبعه رد إسرائيلي أكبر، وعند هذه النقطة تصبح الحسابات الانتخابية عاجزة عن ضبط الميدان.

لذلك، فإن السؤال الأدق هو: «كم من لبنان يحتاج نتنياهو انتخابياً كي يقول للإسرائيليين إنه انتصر، من دون أن يعيدهم إلى حرب كاملة؟».

إذا كانت الإجابة هي علي الطاهر وأشباهها من النقاط الاستراتيجية، فإن ما يجري لا يتناقض مع فرضية عدم الرغبة في حرب شاملة، بل قد يمثل تطبيقاً أكثر ذكاءً لها.

وعليه، قد تكون علي الطاهر اليوم أكثر من مجرد جبهة ميدانية؛ فقد تكون اختباراً لنظرية إسرائيلية جديدة في الجنوب.

وإذا نجحت هذه النظرية، فقد لا يكون نتنياهو بحاجة إلى تهجير سكان الشمال الإسرائيلي لتحقيق مكسب انتخابي.

وقد يكون كافياً بالنسبة إليه أن يظهر على الشاشات من موقع مرتفع جديد، ويقول إن إسرائيل باتت أكثر أمناً مما كانت عليه أمس.

المصدر: خاص لبنان 24

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles