الخميس, أغسطس 20, 2026
spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

حرية الإعلام لا تعني الفوضى

منذ إقرار قانون الإعلام الجديد، انقسمت الآراء بين من اعتبره خطوة متقدمة لحماية حرية التعبير، ومن رأى أنه يحتاج إلى تعديلات تضمن استقلالية الإعلام وتحمي الصحافيين من الضغوط السياسية.

لكن وسط هذا السجال، برز سؤال لا يقل أهمية: من يحمي المجتمع والأفراد من الانفلات الإعلامي الذي تجاوز الحدود المقبولة، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي غير المنضبطة، وما يرافق ذلك من اعتماد بعض “المسترزقين” وأصحاب الأطماع أسلوبًا رخيصًا عبر الابتزاز المالي، بما ينافي الحد الأدنى من الأخلاق المهنية؟

فالحرية، أيًا كان حجمها، لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للتشهير أو الإساءة أو اغتيال السمعة أو نشر الأخبار الكاذبة. كما أن الرأي، مهما كان حادًا، لا يبرر المساس بكرامة الناس أو اتهامهم من دون أدلة، أو تحويل المنصات الإعلامية ومنصات التواصل إلى ساحات للتجريح والتخوين.

وقد شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة تراجعًا في المعايير المهنية، ليس لدى وسائل الإعلام فحسب، بل لدى بعض المنابر والحسابات التي باتت تعتبر الإثارة وسيلة لجذب المتابعين، ولو كان الثمن تدمير سمعة أفراد أو مؤسسات. وهنا لا يعود النقاش بين حرية الإعلام وتقييدها، بل بين الحرية والمسؤولية.

فالصحافي الحقيقي لا يحتاج إلى الافتراء لكشف الحقيقة، ولا إلى الشتائم لتقديم النقد، ولا إلى نشر معلومات غير موثقة لتحقيق سبق صحافي. والمهنية لا تُقاس بحدة العناوين، بل بدقة المعلومات، واحترام حق الرد، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

في المقابل، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى ضبط الانفلات الإعلامي إلى ذريعة لتكميم الأفواه أو تجريم النقد المشروع. فالإعلام الحر يبقى أحد أعمدة النظام الديمقراطي، لكن حريته تكتمل عندما تقترن بالمساءلة واحترام القانون.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام قانون الإعلام الجديد لا يتمثل في حماية الصحافي وحده، بل في حماية المهنة أيضًا. وهذا يقتضي وجود قضاء متخصص وسريع، وهيئات مهنية مستقلة قادرة على محاسبة من يثبت تعمده التشهير أو نشر الأكاذيب، مع فرض عقوبات رادعة ومتناسبة مع المخالفة، وتعويضات عادلة للمتضررين.

فالهدف ليس إسكات الإعلام، بل حماية صدقيته، لأن الإعلام الذي يفقد ثقة الناس يفقد رسالته، مهما اتسعت مساحة الحرية التي يتمتع بها.

إن لبنان يحتاج اليوم إلى إعلام حر، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى إعلام مسؤول. فحرية الكلمة قيمة لا يجوز المساس بها، أما تحويلها إلى وسيلة للابتزاز أو الافتراء أو تصفية الحسابات، فلا يخدم الحرية، بل يسيء إليها وإلى أصحابها.

فالحرية، في أي نظام ديمقراطي، ليست امتيازًا مطلقًا، بل حق يقابله واجب. والحق في التعبير لا يمكن أن يتحول إلى حق في التشهير أو الافتراء أو اغتيال السمعة أو نشر الأكاذيب تحت شعار “الرأي الآخر”.

وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن مواثيق الشرف الإعلامية، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لضبط الأداء المهني. فهذه المواثيق، التي وُضعت لتكون مرجعًا أخلاقيًا للعاملين في المهنة، بقيت في كثير من الأحيان من دون آليات تنفيذ أو مساءلة، فيما تجاوزت بعض المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية أبسط قواعد العمل الصحافي، واختلط الخبر بالرأي، والمعلومة بالإشاعة، والنقد بالتجريح الشخصي.

والأخطر أن بعض العاملين في المجال الإعلامي باتوا يتعاملون مع الإثارة باعتبارها معيارًا للنجاح، ومع نسب المشاهدة باعتبارها مقياسًا للصدقية، ولو كان الثمن تدمير سمعة أشخاص أو مؤسسات، أو توجيه اتهامات من دون أدلة أو أحكام قضائية.

ولا شك في أن هذا الواقع ألحق ضررًا بالغًا بالمهنة قبل الأشخاص المستهدفين. فالإعلام الذي يفقد معاييره يفقد تدريجيًا ثقة جمهوره، ويصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداة لكشف الحقيقة.

لكن، في المقابل، يجب التنبه إلى أن معالجة هذا الانفلات لا تكون بالعودة إلى قوانين تقيد حرية الصحافة أو تجعل من الرأي جريمة. فالصحافة الحرة تبقى ركنًا أساسيًا في أي نظام ديمقراطي، ولا يجوز أن تتحول النصوص القانونية إلى وسيلة لإسكات النقد أو ملاحقة الصحافيين بسبب آرائهم.

إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين حماية حرية التعبير وحماية كرامة الإنسان. فمن حق الصحافي أن ينتقد، وأن يكشف ملفات الفساد، وأن يطرح الأسئلة الصعبة، لكن ليس من حقه أن يدين الناس قبل القضاء، أو أن يبني اتهاماته على الشائعات أو الحسابات الشخصية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس قانونًا جديدًا للإعلام فحسب، بل منظومة متكاملة للمساءلة المهنية والقانونية، تضمن سرعة البت في دعاوى التشهير والافتراء، وتفرض عقوبات رادعة ومتناسبة على من يثبت تعمده الإساءة أو اختلاق الوقائع، من دون المساس بحق الصحافة في ممارسة دورها الرقابي.

فالحرية من دون مسؤولية تتحول إلى فوضى، كما أن المسؤولية من دون حرية تتحول إلى رقابة. وبين هذين الحدين، ينبغي أن يجد الإعلام اللبناني طريقه لاستعادة ثقة الناس والعودة إلى رسالته الأساسية: نقل الحقيقة، لا صناعة الاتهامات، وخدمة الرأي العام، لا تأجيج الانقسامات.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن أخطر ما يهدد الإعلام ليس القانون، بل فقدان الثقة. وعندما تسقط الثقة، لا تعود المشكلة في النصوص، بل في الممارسة التي جعلت من بعض المنابر ساحات للتشهير بدل أن تكون منابر للحقيقة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles