كتاب جديد لرائد سامي شهيّب يستكشف أسئلة الإيمان والمعنى والوجود

صدر حديثًا عن دار النهار كتاب “تمرّد المعنى على الحرف” للكاتب والباحث التأمّلي رائد سامي شهيّب، في عملٍ خلّاق يفتح الآفاق لمساحةٍ مرنة للحوار حول أسئلة الإيمان والمعنى والوجود والتحوّل الداخلي.
ويأتي هذا الكتاب في زمنٍ تتصاعد فيه الاستقطابات الفكرية والدينية، وتتكاثر فيه العقائد المتصارعة، ليقدّم مقاربةً تنحاز إلى التجربة الإنسانية الحيّة بوصفها فضاءً مشتركًا للحوار والبحث عن المعنى. فهو لا يسعى إلى الانتصار لعقيدةٍ على أخرى، ولا إلى استبدال معتقدٍ بمعتقد، بل يدعو إلى العودة إلى الأسئلة الكبرى التي تجمع البشر أكثر مما تفرّقهم، وإلى ذلك الحيّز الإنساني العميق الذي يلتقي عنده الباحثون عن الحقيقة، مهما اختلفت طرقهم ولغاتهم ورموزهم.
وينطلق الكتاب من مقاربةٍ تفتح آفاقًا جديدة لفهم الإيمان، لا بوصفه يقينًا ذهنيًا موروثًا أو موقفًا عقائديًا مغلقًا، بل باعتباره حاجةً فطرية وتجربةً وجودية حيّة تتشكّل عبر مسارٍ طويل من الانكشاف والاختبار والصدق مع النفس. وبهذا المعنى، يتشكّل هذا الكتاب لا بوصفه دعوةً إلى رفض الحرف، بل محاولةً لفهم كيف يمكن للحرف أن يأسر المعنى خلف أسوار العقائد الموروثة، وكيف يصبح الإيمان تمرّدًا هادئًا على الأسر، لا بهدم النصّ، بل بالارتقاء في معراج معناه.
ويخاطب هذا العمل، المشبع بنَفَسٍ عرفانيّ عميق، القارئ الذي تجاوز الهويات الضيّقة ووهم اليقينيات النهائية، دون أن يتخلّى عن شغفه بالحقيقة أو توقه إلى المعنى. وهو، في جوهره، دعوةٌ إلى مصالحة الإنسان مع أسئلته الكبرى، ومرآةٌ للتأمّل في بواطن النفس، ونداءٌ إلى كلّ من يجرؤ على عبور المسافة الفاصلة بين الاعتقاد والإيمان.
ويتميّز الكتاب بتموضعٍ فكريّ واعٍ، إذ ينأى بنفسه عن قوالب “تطوير الذات” أو النصوص التحفيزية والمنتجات الروحية العابرة، ليختار مخاطبة قارئٍ نوعيّ يسعى إلى التحوّل الداخلي العميق، لا إلى تلقّي الإجابات الجاهزة.
ولا يستمدّ هذا العمل مشروعيته من التجريد الفكري، بل من تجربةٍ عرفانيةٍ معاشة تشكّل نواته الحيّة. كما ينفتح على فضاءاتٍ روحيةٍ وفكريةٍ متعدّدة، تتقاطع فيه مساراتٌ من التصوّف الإسلامي واللاهوت المسيحي والفلسفة اليونانية وعلم النفس العميق ونهج السِّدها في الهند. غير أنّه لا يتناول هذه المسارات بوصفها موضوعًا للمقارنة الثقافية، بل باعتبارها تجارب إنسانية تتلاقى في جوهرها العميق، رغم اختلاف لغاتها ورموزها. وهو ما يفتح أمام القارئ أفقًا رحبًا للتأمل في الجذر الإنساني المشترك الذي يتجاوز حدود الثقافات والتقاليد والشرائع.
وقد صيغ الكتاب بلغةٍ تأمّلية عميقة تمنح الصمت مكانته بوصفه جزءًا حيًا من السرد، فيما يحضر المؤلف داخل النص كشاهدٍ على التجربة، لا كسلطةٍ معرفية أو معلّمٍ متسيّد. وهو من تلك الكتب التي تراهن على الأثر التراكمي طويل الأمد أكثر من رهانها على الانتشار السريع، إذ ينتمي إلى فئة النصوص الحيّة التي يتّسع معناها كلما اتّسع وعي قارئها، فتتبدّل وجوهها في عينيه مع كل قراءةٍ جديدة، ويُعاد إليها بوصفها مساراتٍ مفتوحة لا نصوصًا منتهية.
وفي تعليقٍ له حول صدور الكتاب، يقول المؤلف رائد سامي شهيّب: “آمل أن يجد كلُّ قارئٍ بين هذه الصفحات ما يلامس قلبه، أو يوقظ فيه معنًى هاجعًا في أعماقه”.
من الحرف… إلى ما لا يُقال.هذا الكتاب لا يُقرأ، بل يُعاش.



