مُقابلة مع مُؤسِّس مُتحَف فرحات: نعيم فرحات يتحدَّث عن الفنّ، النِّضال، وسِجن عسقلان
خاص ستار نيوز فيجن – مريم بيضون
في عالَم يزدادُ فيه الاهتمام بالفنّ كقيمة استثماريَّة، يَبرُز نعيم فرحات كرائِد في اقتناء الأعمال الفنيَّة ذات البُعد الإنسانيّ والتوثيقيّ، صَانِعًا من مجموعاتِهِ أرشيفًا نابضًا يُوَثِّق الحُروب والمآسي والقضايا العادِلة من خلال الفنّ.
في حديثٍ خاص مع الفنَّان نعيم فرحات، أطلَعَنا من خلاله على رِحلَتِهِ، ورؤيتِه لمستقبل الفنّ كوسيلة تغيير وتوثيق.
مُنذُ بداياته، لم يكن اهتمام فرحات بالفنّ تقليديًّا، بل انصَبَّ على الأعمال التي تَحمِل قِصَصًا تعكس الواقع السياسي والاجتماعي للمنطقة العربيَّة.
يرى أنَّ الفنّ ليس مُجرَّد لوحات تُعرَض في المتاحف، بل هو وسيلة تعبير عن المُعاناة والنِّضال.
يقول: «ما أفعله ليس جَمع لوحات بِغَرَض المُتاجَرة بها، بل هو مسؤوليَّة تجاه القضايا التي تُجسِّدها هذه الأعمال، لأنَّ كل لوحة في مجموعتي تروي قِصَّة إنسانيَّة».
مجموعة عسقلان: فنّ المُقاومة داخل جدران السُّجون
يعتبر فرحات «مجموعة عسقلان» واحدة من أكثر مقتنياته قيمةً، ليس فقط من الناحية الفنية، بل من حيث دلالتها الرمزية. فقد أبدعها فنانون فلسطينيون مُعتقَلون داخل سجن عسقلان، مُستغلّين أبسط الأدوات المُتاحة للتعبير عن نضالِهِم.
رَسَمَ هؤلاء الفنَّانون أعمالهم على أقمشة الوسادات بألوان الشَّمع، وتمَّ تهريبَها خارج السجن عبر الزُوَّار، لتتحوَّل لاحقًا إلى أعمال تجوب المعارض العالمية، داعِمَةً عائلات الأسرى وناقِلَةً صوتهم إلى العالَم.
يُوضِح فرحات: «هذه الأعمال لم تكن مُجرَّد رسومات، بل رسائل حُرِّية خَرَجَت من بين قُضبان القهر، تعكس صُمود الفنَّان في وجه القمع».
“مجموعة عسقلان”، التي تُعَدُّ مِثالًا حيًّا على مُقاومة القيد من خلال الفنّ، داخل سجن عسقلان الإسرائيلي، أحد أكثر السُّجون قسوةً وظُلمًا. لكن الجانب الأكثر إثارة في هذه المجموعة ليس فقط طريقة إنتاجها، بل كيفية تهريبها خارج السجن. فَقَد تمَّ نقل هذه اللوحات عبر أكمام الزُوَّار، من الأقارب والأصدقاء، لِتَصِل إلى العالم الخارجي، حيث تحوَّلَت إلى رسائل بصريَّة تحمل صرخات الأسرى وأحلامهم المُحاصَرة.
«هذه الأعمال ليست مُجرَّد لوحات فنية، بل شهادات حيَّة خَرَجَت من السُّجون، تحمل في طيَّاتِها الألم والصُّمود والتحدي. كل ضربة فرشاة في هذه اللوحات تُمَثِّل قِصَّة مُعتَقَل، وكل لون هو انعكاس لروحٍ تأبى الانكسار.»
لا يقتصر اهتمام فرحات على الفنّ العربي، بل يمتدّ لِيَشمُل أعمالًا دولية تعكس القيم الإنسانية، مثل الأعمال التي وثَّقَت سجن «أبو غريب» والتي يملك منها 23 عملاً، إضافةً إلى لوحات لفنانين عالميين كدييغو ريفيرا وهانز هافمن. تلك التشكيلة المُتنوِّعة تعكس فلسفته في أنَّ القضايا الإنسانية لا تعترف بالحدود، وأنَّ الفنّ قادِر على توحيد الشعوب حول قيم الحرية والعدالة.
إيمانًا منه بأهمية توفير مساحة دائمة لهذه الأعمال، يُخطِّط فرحات لإنشاء مُتحَف للفنّ العربي والشرقي، يَضُمّ مجموعاته، ويُتيحها للجمهور والباحثين. ورغم رغبته في أن يكون هذا المُتحَف في لبنان، يُؤكِّد أنَّ مُلكيَّته ستظلّ للشَّعب، وليست لأي حكومة أو مُؤسَّسة رسمية. إذ يقول: «لا أريد أن تظلّ هذه الأعمال مُحزِنة، بل يجب أن تُعرَض لتُؤدِّي رِسالَتها».
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلين- Mohamad Rakouie
يُؤكِّد فرحات خلال حديثه بأنَّ الفنّ الذي يَحمِل رسالة إنسانية يجب أن يكون مُتاحًا للجميع، لأنَّهُ لا يُوَثِّق الماضي فقط، بل يَخلِق حِوارًا مُستمرًّا حول الحاضِر والمُستقبل. فالفنّ، في جوهره، هو صوت من لا صوت لهم، وجسر يربط الأجيال بالقضايا التي لا يجب أن تُنسى.
على مدار العقود الماضية، أثبَتَ نعيم فرحات أنَّ الفنّ ليس مُجرَّد تعبير جمالي، بل هو وسيلة توثيق ونضال تعكس قضايا الشعوب ومًُعاناتها. لم يكن جمعه للأعمال الفنية بدافع الاقتناء فقط، بل برؤية واضحة تسعى إلى حفظ الذاكرة الجماعية من خلال الفنّ. من بيروت إلى واشنطن، ومِن غزَّة إلى فنزويلا، تمتدّ مجموعاته شاهِدةً على فصولٍ من النِّضال الإنساني في وجه الظُّلم والقهر.
في هذا الحوار، نتعرَّف إلى رحلته في جمع الأعمال الفنية، ومشروعه الطموح لإنشاء مُتحَف يُوَثِّق القضايا العربية والإنسانية من خلال الريشة واللون.
منذ سنوات شبابه الأولى، كان لفرحات اهتمامٌ خاص بالفنّ، لكنه لم يكن شغفًا تقليديًا محصورًا بالإبداع البصري فقط، بل تطوَّر ليُصبح التزامًا تجاه القضايا الإنسانية.
يرى فرحات أنَّ الفنّ لا ينحصر في كونه مصدر إلهام، بل يمكن أن يكون أداة تغيير وتوثيق، قائلًا:«لطالما كانت الفنون مرآةً تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، لكنها في بعض الأحيان تصبح أكثر من ذلك تصبح صوتًا لمن لا صوت لهم. ما أقوم به ليس مُجرَّد جمع لوحات، بل هو محاولة لحفظ التاريخ، وتقديم رواية بصرية عن نضالات الشعوب، خصوصًا في العالم العربي.»
من هذا المنطلق، بدأ فرحات بجمع أعمالٍ فنية ذات دلالات تاريخية وإنسانية، مُركّزًا على القضايا التي تمَّ تغييبها أو طمسها، مثل نضال الفلسطينيين، ومعاناة المعتقلين السياسيين، وتوثيق الحروب والصراعات.
عُرِضَت هذه الأعمال في دُوَلٍ عديدة، منها الكويت وقطر، وكان ريعها يُخصَّص لدعم عائلات الأسرى، مِمَّا عزَّزَ البُعد الإنساني لهذه المبادرة. وتَضُمّ المجموعة أعمالًا لفنانين بارزين مثل عدنان المصري (38 عملًا)، وجيه نحلة، يوسف غزاوي، نور بلوق، وأيمن بعلبكي.
Artist: Zuhdi Al-Adawi
أعمال تُوَثِّق التاريخ: أبو غريب، المُستشرقون، و”صُنع في فلسطين”
لم تقتصر مُقتنيات فرحات على القضية الفلسطينية، بل امتدَّت لتشمل أحداثًا أخرى شكَّلت محطَّات مُظلِمة في التاريخ المُعاصِر. فَهُوَ يمتلك نحو 23 عملًا فنيًا عن سجن “أبو غريب” سيئ السُّمعة، حيث تمّ توثيق الانتهاكات التي تعرَّضَ لها المُعتقلون هناك.
كما حَرِصَ على اقتناء أعمال المُستشرقين الذين اهتموا بالقضايا العربية في لوحاتهم، ليجمع نحو 90 عملًا يُمَثِّل رؤىً غربية مُختلفة عن الشَّرق. بالإضافة إلى ذلك، يملك فرحات مجموعة ضخمة من المُلصَقات الفنية التي تُعدُّ جزءًا من “الفنّ الشعبيّ”، حيث جمع منها 150 عملًا يُظهر كيف تحوَّلَت الدعاية السياسية إلى وسيلة فنية مُؤثِّرة.
أحد أهم المشاريع التي دَعَمَها فرحات كان معرض “صُنع في فلسطين، حيث يقول: «هذا المعرض يُمثِّل شهادة بصرية على الهُويَّة الفلسطينية، ويعكس كيف يمكن للفنّ أن يكون وسيلة للحفاظ على الذاكرة الوطنية. »
بعد أن تجاوزت مجموعاته 800 عمل، يُدرِك فرحات أنَّ الخطوة التالية يجب أن تكون إنشاء مُتحفٍ دائم لهذه الأعمال، يكون بمثابة مِنَصَّة تجمع بين الفنّ والتاريخ والإنسانية. ويطمح لأن يكون هذا المُتحَف في لبنان، لكنه يُصِرّ على أنَّ مُلكيَّته لن تكون لأيّ دولة أو حكومة، بل ستكون للشعب اللبناني من خلال مُؤسَّسة مُستقلَّة.
يُؤكِّد فرحات أن الغاية من المُتحَف ليست تجميع الأعمال فقط، بل تقديمها للجمهور، وإتاحتها للباحثين والدارسين. ويرى أن الفن الذي يُوَثِّق القضايا الإنسانية لا يجب أن يبقى حبيس المخازن، بل يجب أن يُعرَض ليُؤثِّر في الوعي الجماعي.
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلين
ويُضيف:
«في جنوب لبنان، لا يوجد مُتحَف فنّي مُتكامِل، ولذلك أسعى لتأسيس هذا المشروع في النبطية، لينطلق منها إلى باقي المناطق اللبنانية، بحيث يُصبِح الفنّ في مُتناوَل الجميع.»
الفنّ كان ولا يزال انعكاسًا للجمال والتعبير عن القيم الإنسانية، لكنه في العصر الحديث أصبح يحمل بُعدًا جديدًا يتجاوز مُجرَّد المُتعة البصرية، ليكون أداةً لخدمة القضايا الإنسانية.
منذ زمن بعيد، كان الفن وسيلة لتوثيق الحروب والصراعات، حيث استُخدِمَت اللوحات لرسم مشاهد من التاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لكن الفن الذي يخدم الإنسان كرسالة ذات بُعد إنساني هو ظاهرة حديثة نسبيًا، تطوَّرَت بفضل فنانين عالميين كبار مثل بيكاسو وسلفادور دالي وغيرهم من رُوَّاد القرن العشرين.
مع دخولنا القرن الحادي والعشرين، شَهِدَ العالم العربي تحولات كبيرة فرضت على الفن أن يتحول إلى وسيلة لمناصرة حقوق الإنسان وتسليط الضوء على القضايا الإنسانية. في ظل هذا الوضع، نشأت مدرسة جديدة في الفن، حيث لم يعد يقتصر دور العمل الفني على الجمالية فقط، بل أصبح وسيلة للتعبير عن المعاناة، سواء عبر البوسترات والرسومات التي تروي قصص السجون، أو عِبَر الأعمال التي نشأت بسبب الاعتقالات والانتهاكات.
هذه التحولات منحت للفن بُعدًا أكثر تأثيرًا، حيث أصبح الأداة الأكثر قدرة على إحداث تغيير في الرأي العام، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول الصور والأعمال الفنية بسرعة هائلة. اليوم، يمكن لصورة واحدة أن تَهُزّ ضمير العالم، كما حدث مع الصورة الشهيرة لطفلة في حرب فيتنام، والتي كانت أحد العوامل التي دفعت الولايات المُتَّحِدة الأميركية إلى الانسحاب من الحرب. هذه الحادثة تُثبِت أنَّ الصورة يمكن أن تكون أقوى من آلاف الكلمات، وأنها قد تحمل في طياتها قدرة هائلة على التأثير السياسي والاجتماعي.
في العالم العربي، الفنّ بات يلعب دورًا جوهريًا في تشكيل الوعي الجمعي حول القضايا الحقوقية والإنسانية. من خلال المعارض والوسائط الرقمية، أصبح بالإمكان نشر رسالة الفن إلى أوسع نطاق ممكن، دون الحاجة إلى الاقتصار على المعارض التقليدية. الفنّ الذي يخدم الإنسان لم يَعُدّ مُجرَّد عمل مُعلَّق على جدران المتاحف، بل أصبح أداة حية تتفاعل مع المجتمع، وتحمل رسالة تساهم في تغيير المواقف وإعادة تشكيل الأفكار.
على الرغم من ذلك، لا يزال هناك جدل حول قيمة العمل الفني بين المادي والمعنوي. فهناك من ينظر إلى الفنّ باعتباره استثمارًا ماديًا، بينما يراه آخرون على أنه كنز لا يُقدَّر بثمن، كما هو الحال مع لوحة الموناليزا التي أصبحت رمزًا ثقافيًا وحضاريًا لا يُقدَّر بثمن. القيمة الحقيقية للأعمال الفنية التي تحمل رسائل إنسانية تتجاوز المقياس المادي، إذ أنها تُخلِّد القضايا التي تُمثِّلها، وتظلّ شاهِدة على مراحل مُهِمَّة في التاريخ.
في هذا السياق، يُؤكِّد نعيم فرحات، مُؤسِّس مُتحَف فرحات، أنَّ اقتناء الأعمال الفنية ذات الطابع الإنساني ليس مُجرَّد جمع للوحات، بل هو مسؤولية أخلاقية تجاه القضايا التي تُجسِّدها هذه الأعمال. إن هدفه الأساسي ليس فقط توثيق المعاناة، وإنما نشر الوعي حولها والمساهمة في إيصال صوت المظلومين إلى العالم بأسره. لذلك، يرى أن عرض هذه الأعمال وإتاحتها للجمهور هو أمر بالغ الأهمية، لأن الفن الذي يُعبِّر عن القضايا الإنسانية لا يجب أن يُحبَس داخل جدران المخازن، بل يجب أن يكون في متناول الجميع كي يؤدي رسالته الحقيقية.
المتاحف التي تحتضن هذه الأعمال تلعب دورًا محوريًا في إبراز هذه القيم، حيث يمكن أن تكون مِنَصَّات لنشر الوعي وتعزيز الحوار حول المواضيع الإنسانية الكبرى. فالفن ليس مُجرَّد انعكاس للواقع، بل هو قُوَّة تغيير تساهم في إعادة تشكيل المجتمعات. هذا ما دفع مُتحَف فرحات إلى تبنّي رؤية تُركِّز على الإنسان أولًا، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيِّقة. المُتحَف لا يسعى إلى فرض توجُّه سياسي مُعيَّن، بل إلى تعزيز القيم الإنسانية المشتركة التي تتجاوز حدود الأيديولوجيات والسياسات.
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلين
التركيز على القضايا الإنسانية في الأعمال الفنية التي تُوثِّق السجون والاضطهاد والعنف هو جزء من رسالة الفن الكبرى. لكن هذه الأعمال ليست موجهة فقط لإحداث صدمة بصرية، بل هي وسيلة لإثارة النقاش وإيقاظ الضمير الجماعي. قد يكون من الصعب على الإنسان أن يتقبَّل رؤية مشاهد القمع والظلم يوميًا، ولكن وجود هذه الأعمال في متناول الجمهور يجعل من المستحيل تجاهل هذه القضايا.
من هنا، فإنَّ الفنّ الذي يحمل رسالة إنسانية يصبح ملكًا للأجيال القادمة، وليس مُجرَّد سلعة للبيع. إنه أرشيف حي يُوَثِّق المآسي والانتصارات، ويُحافظ على الذاكرة الجمعية للشعوب. عندما ننظر إلى المتاحف الكبرى، نجد أنَّ الأعمال التي تُخلِّد القضايا الإنسانية تحظى بأهمية تفوُّق الأعمال التجارية البحتة، لأنها تُمثِّل روح الزمن الذي صنعت فيه، وتعكس التحديات التي واجهتها البشرية في مختلف العصور.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لمُتحَف فرحات أن يكون نُواة لمُتحَف أوسع يُخصَّص للأعمال الفنية التي تُوَثِّق القضايا الإنسانية العربية والدولية؟ الجواب نعم، بل هو ضرورة في ظل الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم. إن إنشاء مُتحَف مُتخَصِّص في هذا المجال لا يعني فقط الحفاظ على هذه الأعمال، بل يعني خلق مساحة دائمة للحوار والتفاعل والتأمل.
مُتحَف فرحات لا يقتصر على الأعمال التقليدية مثل اللوحات الزيتية والأكريليك، بل يمتد ليشمل أعمالًا فنية متعددة الوسائط، مثل الفوتوغرافيا، والفن الرقمي، والتجهيزات الفنية التي تستخدم التكنولوجيا الحديثة في عرض المأساة الإنسانية بأساليب مبتكرة. من خلال هذا التنوع، يستطيع المُتحَف أن يعكس تطور الفن في خدمة القضايا الإنسانية، ويمنح الزائرين تجربة تفاعلية تتجاوز مُجرَّد المشاهدة إلى الانخراط العاطفي والفكري.
في نهاية المطاف، يبقى الفن أعظم وسيلة يمتلكها الإنسان للتعبير عن قضاياه ومآسيه وآماله. لا يمكن قياس قيمته بالأموال، لأن أثره يمتد عبر الأزمان ليبقى شاهدًا على نضال البشرية من أجل العدالة والحرية والكرامة. إن التحدي الأكبر اليوم هو ضمان أن تصل هذه الرسائل الفنية إلى أوسع شريحة ممكنة من الناس، لأن تأثير العمل الفني لا يقاس فقط بجمالياته، بل بقدرته على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.-
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلينArtist: Muhammed Abou Karesh
إنَّ «مجموعة عسقلان» تُعتَبَر من أكثر المجموعات تميُّزًا في مُقتنياته، حيث تضُمّ أعمالًا أعدَّها فنَّانون فلسطينيون في سجن عسقلان، أحد أكثر السجون الإسرائيلية قسوة. كانت تلك الأعمال تُنَفَّذ بإبداع مُدهش رغم قلة الأدوات، حيث استخدم الفنانون أقمشة الوسادات كلوحات، وألوان الشمع كأدوات للرسم، ليُجسِّدوا معاناتهم، آمالهم، وتاريخ نضالهم داخل المعتقل. هذه الأعمال لم تكن مُجرَّد لوحات، بل كانت رسائل تهريبية للحرية، تحمل توقيعات الحلم الفلسطيني الذي لا يموت. تم تهريبها إلى خارج السجن تحت أكمام الزُوَّار من الأقارب والأصدقاء، ليتمّ عرضها لاحقًا في الكويت وقطر، ويعود ريعها لدعم عائلات السجناء، ما يعكس ليس فقط قيمة فنية بل إنسانية بامتياز. وقد احتوت هذه المجموعة على أعمال مُميَّزة لفنانين مثل عدنان المصري (38 عملاً)، وجيه نحلة، يوسف غزاوي، نور بلّوق، أيمن بعلبكي وغيرهم.
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلين
يمتلك فرحات نحو 23 عملاً عن سجن «أبو غريب»، ويعمل اليوم على مجموعة تضم أعمال فنانين دوليين على نحو دييغو ريفيرا وهانز هافمن ورسل فلنت، لاستكمال التشكيلة. وقد تجاوزت المجموعات 800 لوحة، غالبيتها لفنانين من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.
الأعمال التي جمعها نعيم مُوَزَّعة في مختلف دول العالم، «وهي ليست للبيع، ومن الممكن إعارتها إلى أي مؤسسة أو مُتحَف أو جمعية، ولكن الجهة المستعيرة تتحمَّل نفقات نقل المجموعات وحمايتها. ومن المُقرَّر أن ينتقل معرض صنع في فلسطين إلى فنزويلا بعدما عرض في سفارتها في الولايات المتحدة.
ومن الأعمال المُميَّزة التي يملكها فرحات مجموعة من خمسة فساتين صمّمتها الفنانة الفلسطينية ماري توما «لإبراز حق المرأة الفلسطينية في العودة إلى بلادها». عُرِضَت هذه المجموعة في الأراضي الفلسطينية المُحتلَّة وتعرَّضَت هناك لحريق مُفتَعَل، فصمَّمِت توما نسخة بديلة موجودة اليوم في مُتحَف Crocker Meuseum في عاصمة كاليفورنيا.
شمع على أقمشة الوسادات – رسم معاناة وآمال المعتقلين
مشروع مُتحَف للفن العربي والشرقي
تتويجاً لمسيرته الطويلة في مجال جمع الأعمال الفنية العربية العالمية، يُخطِّط نعيم فرحات اليوم لإنشاء مُتحَف للفن العربي والشرقي يضمّ كل المجموعات التي يمتلكها لغاية الآن وذلك «لجمعها في مكان واحد بغية الاستفادة منها بشكل أكبر والإتاحة للجمهور العريض الاطلاع عليها».
ويطمح لأن يكون هذا المُتحَف في لبنان «لكن المجموعة لن تُمنَح لأي دولة أو حكومة، بل ستكون ملك الشعب اللبناني من خلال مؤسسة ما أو مُتحَف ما يقوم برعايتها». وهذه المجموعات اليوم هي مُتاحة للباحثين والدارسين مع كل المعلومات التي يملكها فرحات عنها، وحقوق أصحاب تلك الأعمال كلها محفوظة من قبله.
وقام فرحات بتسجيل لوحاته، وقد بات معروفاً في كثير من الدول أن هذه المجموعات هي مُلك خاص لنعيم فرحات، حتى أنَّ ذلك يظهر واضحاً على العديد من المواقع الإلكترونية الخاصة بتجارة اللوحات الفنية.
ويجري فرحات حالياً سلسلة اتصالات بالمُهتمين بالشأن الثقافي والفنيّ في لبنان، من أجل توفير بيت تراثي في مدينة النبطية يحتضن المُتحَف ويقول: «إذ إنَّنا لا نجد في الجنوب معرضاً فنياً متكاملاً، ولِتَكُن الإنطلاقة من النبطية نحو كافة المناطق اللبنانية في ما بعد»
-Artist: Muhammed Abou Karesh
اكتشاف المزيد من Star News Vision
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.