سياسة

رحيل الشيخ سمير الضاهر… خسارة وطنية لصوتٍ إنساني لم يعرف الصمت

Spread the love

محمد الحاجم  – ستار نيوز فيجين

في زمنٍ غاب فيه الإيمان بالقيم، وبهتت فيه المعاني، يبقى وجود رجالٍ من طراز الشيخ سمير ميشال الضاهر تذكيرًا بأن في هذه البلاد من عاشوا الرسالة لا المنصب، ومن جعلوا من القيم طريقًا ومن العطاء أسلوب حياة.

ولد الشيخ سمير في ساو باولو – البرازيل، في بيتٍ لبناني عريق حمل الهم الوطني في دمه.

هو حفيد الشيخ عبدالله الضاهر، أحد شهداء القافلة السادسة الذين أعدمهم جمال باشا في عاليه عام 1916، ووالده النائب الشيخ ميشال الضاهر، أحد أعمدة العمل النيابي والسياسي، الذي ورث عنه سمير الإيمان بأن الحرية ليست شعارًا بل مسؤولية.

منذ الصغر، تميّز بذكاء لامع، واستقلالية فكرية نادرة، فخاض انتخابات اتحاد طلاب الجامعة اليسوعية مستقلًا، متحديًا اللوائح الحزبية، ومؤكدًا أن الفكر الحرّ لا يُختصر بلونٍ ولا بعقيدة.

تابع دراسته في جامعة السوربون في باريس، حيث نال دكتوراه الدولة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية عن أطروحته الشهيرة “لبنان وأزمة الشرق الأوسط”. هناك تفتّح وعيه على العالم، وتكوّنت لديه قناعة بأن لبنان لا يُنقَذ إلا بالحوار والانفتاح والتلاقي.

عاد إلى بيروت ليكرّس علمه في خدمة الإنسان والإنسانية.

أسس منظمات دولية من أبرزها الاتحاد الدولي للسلام وحقوق الإنسان، وجعل مركزها في مجلس النواب الفرنسي، ليكون لبنان، وللمرة الأولى، منطلقًا لحركة إنسانية عالمية تُعنى بالسلام وحقوق الإنسان.

كما أنشأ منظمة لبنان المتحدة، والوكالة العربوفرنكوفونية الدولية، وأكاديمية الدراسات العليا الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وشارك في تأسيس مركز إعداد مدربي السلام وحقوق الإنسان، مؤمنًا أن العدالة تبدأ من الوعي.

لقّبته الصحافة العالمية بـ “سفير القضية اللبنانية في العالم”، وكان فعلاً كذلك.

فقد جاب العواصم من باريس إلى جنيف، ومن روما إلى نيكاراغوا، حاملًا وجع وطنه على كتفيه، متحدّثًا باسم لبنان في المؤتمرات الدولية، ومدافعًا عن قيم الحرية والتعدد والسلام.

نال وسام الاستحقاق الفرنسي من الرئيس جاك شيراك تقديرًا لعطاءاته، لكنّه ظل يعتبر أن أكبر وسام هو حبّ الناس وثقتهم.

وحين اشتعلت نيران الحرب اللبنانية، لم يغادر، بل وقف في وجه الانقسام، مؤمنًا أن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون جدارًا في وجه الرصاص.

أسس جمعية الحوار الإسلامي – المسيحي في فرنسا، التي جمعت حولها وجوهًا من كل المذاهب والطوائف، لتكون صوتًا للبنان الواحد، وطن الإنسان قبل كل شيء.

ومن خلال برنامج إذاعي أطلقه في باريس تحت عنوان “اسمع لبنان”، جعل صوت الوطن يصل إلى العالم بلغة المحبة والكرامة.

كان يقول دائمًا: “لا قيمة لما تعطيه إذا لم يكن جزءًا منك.”

وهكذا عاش — معطاءً، نقيًّا، مؤمنًا أن الحياة تُقاس بما تزرعه في قلوب الآخرين لا بما تملكه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى