بين كاتب ينتظر من يشتري كتابه بعشرين دولاراً، وزعيم تحيط به المواكب والكاميرات ولا يدفع ثمن كتاب، تختصر الإعلامية مي خليل مشهداً موجعاً من واقع الثقافة في لبنان، حيث يغتني أصحاب السلطة والنفوذ، فيما يقف صُنّاع الفكر والكلمة على هامش الاهتمام والتقدير.
بكلمات حملت الكثير من المرارة والجرأة، نشرت الإعلامية مي خليل عبر صفحتها على «فيسبوك» نصاً مؤثراً استوحته من مشاهداتها في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، مسلّطةً الضوء على المفارقة القاسية بين تواضع أحوال الأدباء والشعراء وبذخ الزعماء، وبين القيمة الخالدة للكلمة والمكانة العابرة للسلطة.
لم تكتب خليل عن فقر المال وحده، بل عن فقر أشدّ قسوة: فقر التقدير، وغياب الاعتراف بمن يمنحون المجتمع ذاكرته ووعيه وجماله.
وتوقّفت عند مشهد الكتّاب الجالسين خلف طاولات صغيرة، ينتظرون قارئاً يشتري ثمرة سنوات من التعب والسهر، في وقت تتسابق فيه الأنظار نحو زعيم يدخل المعرض بمواكبته، ويحظى بالصور والاهتمام، بينما قد يغادر من دون أن يدفع ثمن الكتاب الذي يحمله.
وطرحت خليل سؤالاً يتجاوز حدود المعرض ليطال منظومة القيم في المجتمع: لماذا نحتفي بأصحاب السلطة والثروة، ونترك أصحاب الفكر يتوسّلون الاهتمام؟ ومن الأجدر بالتكريم: من يملك المال والنفوذ، أم من يترك للأجيال فكراً لا يموت؟
وفي نصّها الذي جمع بين الاحتجاج الأدبي والصرخة الإنسانية، دعت الشعراء والكتّاب إلى الاعتزاز بكرامتهم ومكانتهم، وألّا ينخدعوا ببريق المواكب والصور، مؤكدةً أن الخلود لا تصنعه الثياب الفاخرة ولا المناصب، بل تصنعه الكلمة الصادقة.
وختمت برسالة تختصر موقفها: «ويبقى فقر الأدباء أجمل من عهر الأغنياء».
إنها ليست مجرد خواطر من معرض للكتاب، بل صرخة في وجه مجتمع قد يرفع الزعيم فوق الكاتب، والصورة فوق الفكرة، والمظاهر فوق المعرفة… فيما يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: أيّ وطن نبني حين نُكرّم السلطة ونُهمل الذين يصنعون الوعي؟
وفي ما يلي النص الذي نشرته الإعلامية مي خليل عبر صفحتها على «فيسبوك»:
«أهو فقر الأدباء الذي هو شرفهم، أم غنى الزعماء الذي هو عهر بخلهم؟»
أيها الخالدون من كتّاب وشعراء، يا أمنية الوجود في أقلامكم…
حزنت وأنا في معرض الكتاب، وأنا أرى شاعرات وكتّاباً يجلسون خلف طاولات صغيرة، أمامهم كتبهم التي كتبوها بحبر العرق، ونسجها قلم السهر.
على أغلفة كتبهم عناوين الخوف من المجهول، ووجع الوجع، والتمرّد، والألم، والسؤال دون سؤال.
على سمات وجوههم لمسة الفقر، ليس فقر الجيب وحسب، بل فقر الإهمال.
عيون متعبة من الكتابة، وأيدٍ تمضي بلهفة حين يأتي صديق شاعر أو شاعرة للتشجيع بشراء كتاب بعشرة دولارات.
هم أهل الفكر والكلمة، هم فقراء لأنهم يحملون أفكاراً وأزهاراً وأزلاً. هم ليسوا أغنياء العهر الذين يحملون شفاهاً منفوخة وفيلر.
وجوه شاحبة تلتفت شمالاً ويميناً، آملين أن يأتي صديق لشراء كتاب بعشرين دولاراً.
وها هو يأتي زعيم ومعه مواكبته، ينظرون إليه باحترام، ويتهافتون كي يتصوّروا معه، لكنهم يتفاجأون بأنه لم يدفع ثمن الكتاب!
ألأنهم يحملون فكراً لا شفاهاً منفوخة؟ ألأنهم يرتدون ثياباً من ورق وليس من ماركات؟
للشعراء والأدباء حشمة الحضور، ألهذا السبب؟
للشعراء والأدباء عالم لا أحد يستطيع السيطرة على وعيه وأفكاره، ألهذا السبب لم يعطوهم ثمن كتبهم؟
أيعقل لعدم قدرتهم؟ أم لأنهم أهم من الكتاب، ويجب أن يُقدَّم إليهم على طبق من فضة؟
فعلاً، رأيت دموع الكلمات بين أيديهم.
إن فقر الشعراء هو شرفهم، وأنتم أيها الزعماء، الفقراء بفكركم، لستم أغنياء سوى بجيوبكم.
لأن أغنياء العهر يحملون شفاهاً، وأنتم من جعلهم أغنياء، وتركتم أصحاب الفكر يتوسّلون معارفهم بعشرين دولاراً، ثمن كنز وجودي.
أيها الأدباء والشعراء، رأيتكم بلباس شبه قديم، على وجوهكم نبل الفكر وأخلاق الأخلاق. أنتم ألبستم الحرف الورق.
لا تتصوّروا مع زعماء لا يعلمون أنكم أشجار المعرفة، ولا تركضوا وراء من فضّل من يحمل شفاهاً ولا يحمل فكراً.
لا تفرحوا بوجودهم ومواكبتهم وزياراتهم وصورهم، بل افرحوا بصديق أتى ولا يحمل ربما سوى ثمن كتاب كي يشجّعكم.
أيها الزعماء، الأغنياء الفقراء بتقديركم للفكر، أنتم لستم بعظماء.
ربما تعلمون أن الأدباء أعظم منكم بكثير، كون الزمن والأحوال لا ينساهم، وأنتم تُنسون بسرعة.
أنتم مأساة الناس، وأنتم معاناة الإنسانية، ومن مظاهركم يسخر أبعد الخيال.
كتّاب وشعراء بلباس الفقراء، لكنهم أغنياء بالخلود، ومن قلمهم يرتسم خلودهم.
زعماء بثياب ثمينة لا يعرفهم الخلود، وكأنهم لا يسكنون الوجود، لذا لأجلهم وُجد الفناء.
ويبقى فقر الأدباء أجمل من عهر الأغنياء.
مي خليل




