يواجه المصدرون الروس أزمة متصاعدة في السوق الصينية، بعدما أضرّت منتجات مصنّعة محليًا أو في دول أخرى، جرى تسويقها على أنها روسية، بمبيعات السلع الروسية الأصلية، وأثارت شكوك المستهلكين بشأن مصدر المنتجات، وفقًا لما نقلته وكالة «أسوشييتد برس» عن عاملين في القطاع.
وخلال معرض تجاري استمر يومين في هونغ كونغ، سعت فيرا نيكيتينا، ممثلة شركة «بيليوف باستِيلا مانوفاكتوري» الروسية المتخصصة في صناعة الحلويات، إلى استقطاب مشترين جدد، لكنها اضطرت في الوقت نفسه إلى إثبات أن منتجات الشركة مصنّعة بالفعل في روسيا.
وبدأت الشركة محاولاتها لدخول السوق الصينية عام 2019، قبل أن تطلق شحنات منتظمة وتفتتح مكتبًا محليًا خلال عامي 2022 و2023. وسجلت مبيعاتها نموًا ملحوظًا في 2024، بالتزامن مع زيادة الطلب الصيني على المنتجات الاستهلاكية الروسية.
وتزامن ذلك مع انتشار متاجر تحمل طابعًا روسيًا في مدن صينية عدة، إذ امتلأت أرففها بالشوكولاتة والنقانق والخبز والمشروبات، وسط ديكورات باللونين الأزرق والأبيض ولافتات مكتوبة بالأبجدية الروسية، إلى جانب تشغيل موسيقى روسية لجذب المستهلكين.
لكن هذا الانتشار تحوّل سريعًا إلى مصدر أزمة للمصدرين الروس، بعد أن كشفت تقارير إعلامية صينية بيع منتجات مصنّعة في الصين على أنها واردات روسية. ونتيجة لذلك، بدأ المستهلكون يشككون في مصدر المنتجات الروسية عمومًا، ما انعكس سلبًا على الشركات التي تصدّر سلعًا أصلية.
وقالت نيكيتينا إن شركتها لم تكن مسؤولة عن بيع المنتجات المزيّفة، لكنها كانت من بين الشركات التي تضررت من هذه الممارسات، مشيرة إلى أن مبيعاتها بدأت في التراجع بعد انتشار التقارير المتعلقة بمنتجات تحمل هوية روسية زائفة.
وفي محاولة لاستعادة ثقة المستهلكين، استخدمت الشركة منصات التواصل الاجتماعي الصينية للتعريف بعلامتها التجارية، وإبراز مصدر منتجاتها وطرق تصنيعها.
وتأتي هذه الأزمة في ظل توسع العلاقات التجارية بين موسكو وبكين منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وما تبع ذلك من عقوبات غربية وانسحاب عدد من العلامات التجارية العالمية من السوق الروسية.
وبلغ حجم التجارة بين الصين وروسيا مستوى قياسيًا قدره 244.8 مليار دولار في 2024، فيما شهدت السوق الصينية انتشارًا متزايدًا للسلع الروسية، ولا سيما الأغذية والحلويات والعسل والمشروبات، عبر المتاجر ومنصات التجارة الإلكترونية والبث المباشر.
وبحسب بيانات شركة «تشيتشا تشا»، ارتفع عدد الشركات المرتبطة بالسلع الروسية في الصين بأكثر من 20% خلال 2024، ليصل إلى 841 شركة، قبل أن يتجاوز 3500 شركة مسجلة بحلول أوائل 2025، مع احتساب الشركات المرتبطة بالقطاع إلى جانب المتاجر.
غير أن هذا التوسع السريع أثار تدقيقًا متزايدًا، بعدما كشفت تحقيقات إعلامية وعمليات تفتيش تنظيمية استخدام بعض المتاجر صورًا ومواد دعائية توحي بأن المنتجات روسية، رغم تصنيعها في الصين أو دول أخرى.
ومع تصاعد الجدل، بدأت أعداد من هذه المتاجر في الانخفاض، إذ أغلقت عدة متاجر في مدينة هانغتشو أبوابها، فيما دخلت متاجر أخرى في عمليات تصفية خلال العام الماضي.
وقال يفغيني باجوف، الممثل الرئيسي لمركز التصدير الروسي في الصين، إن الانتشار السريع للمتاجر التي تحمل علامات روسية غير واضحة المصدر أدى إلى إرباك المستهلكين وأضرّ بالمصدرين الروس الملتزمين.
وأوضح أن الهوية الروسية تحولت في بعض الحالات إلى مجرد أداة تسويقية، من دون وضوح بشأن مصدر المنتجات، مؤكدًا أن المركز يعمل على دعم المصدرين والمستوردين الموثوقين، وتعزيز قنوات البيع الرسمية، فضلًا عن تطوير وسائل تساعد المستهلكين على التحقق من منشأ السلع.
وأكد باجوف أن استعادة ثقة المستهلك الصيني لن تعتمد على التسويق وحده، بل على الشفافية وإمكانية تتبع مصدر المنتج، مشددًا على أن عبارة «صنع في روسيا» ينبغي أن ترتبط بالجودة والمصداقية، لا بمجرد الهوية الوطنية.
ولم تقتصر المشكلة على الأغذية والسلع الاستهلاكية، بل امتدت أيضًا إلى المشروبات الروحية. وقال كيرو، ممثل علامة الفودكا الروسية «ليجند أوف كريملين»، إن مشترين صينيين يسألون أحيانًا عن مشروبات تُطرح باعتبارها فودكا روسية وتصل نسبة الكحول فيها إلى 60 أو 70 وحتى 80%.
وأوضح أن هذه النسب المرتفعة لا تعكس الفودكا الروسية التقليدية، التي تبلغ نسبة الكحول فيها عادة نحو 40%، مشيرًا إلى أن بعض هذه المنتجات تُصنع في الصين ثم تُسوّق على أنها مشروبات روسية مستوردة.
ويرى العاملون في القطاع أن انتشار هذه المنتجات لم يربك المستهلكين بشأن طبيعة السلع الروسية فحسب، بل أضر أيضًا بسمعة الواردات الأصلية، ما يجعل استعادة ثقة السوق الصينية تحديًا جديدًا أمام المصدرين الروس.





