الأربعاء, أغسطس 19, 2026
spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

الراعي من دير مار يوحنا القلعة: جرح الشهداء مفتوح على الرجاء

زار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي دير مار يوحنا المعمدان – القلعة في بيت مري، التابع للرهبانية الأنطونية المارونية، لمناسبة توقيع كتاب «البطريرك إسطفان الدويهي، منارة ليتورجية» للأب شربل بو عبود.

وكان في استقبال الراعي الرئيس العام للرهبانية الأباتي جوزف بو رعد، ورئيس الدير المدبر العام الأب بشارة إيليا، إلى جانب الرهبان وعدد من الشخصيات والفاعليات.

ورافق البطريرك من الديمان أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، وأمين سر البطريرك الخاص الخوري كاميليو مخايل. كما شارك في المناسبة راعي أبرشية بيروت المارونية المطران بولس عبد الساتر، والمطران سمعان عطالله، والرئيسة العامة لراهبات الأنطونيات الأم نزها الخوري وأعضاء مجلس المدبرين، وعقيلة قائد الجيش العماد رودولف هيكل وممثلته السيدة جانيت هيكل، ورئيس بلدية بيت مري روي أبو شديد، والخوري بيار الشمالي، والأب زياد معتوق، والدكتور مناف منصور، إضافة إلى عدد من الآباء والمدعوين.

صلاة أمام نصب الأبوين شرفان وأبي خليل

وصل البطريرك الراعي إلى الدير عند الساعة الحادية عشرة صباحاً وسط قرع الأجراس، وتوجه بداية إلى النصب التذكاري للأبوين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل، حيث وقف للصلاة والتأمل، وتلا مع الحاضرين صلاتي «الأبانا» و«السلام عليك يا مريم»، مستذكراً الأبوين وكل من ضحّى بنفسه على أرض الدير.

بعد ذلك، غرس شجرة أرز عند مدخل الدير تخليداً للزيارة، ثم استمع، من خلال شرح قدمه رئيس الدير مدعماً بالصور، إلى تاريخ المكان وما تعرض له من هدم وحريق ودمار خلال أحداث 13 تشرين، إضافة إلى مراحل ترميمه وإعادة تأهيله.

وبعد استراحة قصيرة في صالون الدير، انتقل الراعي والحضور إلى الكنيسة، حيث أقيم الاحتفال الخاص بتوقيع الكتاب.

وفي كلمته، رحب رئيس الدير الأب بشارة إيليا بالبطريرك الراعي، واصفاً دير مار يوحنا القلعة بأنه «قلعة الإيمان والوفاء»، مشيراً إلى أن «حجارته تختصر جانباً من تاريخ لبنان القديم والحديث، فيما بقيت الصلاة فيه حيّة رغم ما عرفه من حروب ودمار وتهجير».

وتوقف عند كتاب الأب شربل بو عبود، معتبراً أن «الإصلاح الليتورجي عند الطوباوي إسطفان الدويهي لم يكن إصلاحاً في الأشكال وحسب، بل عملاً على تجذير الوعي الإيماني والكنسي وصون هوية الكنيسة وذاكرتها».

كما استعاد تاريخ الدير والحضارات التي مرت عليه، مشيراً إلى أن «الموقع عرف العبادة منذ الأزمنة القديمة، قبل أن يصبح مكاناً مسيحياً للصلاة والشهادة». ولفت إلى أن «زيارة البطريرك الراعي تُعدّ، وفق ما هو متوافر في سجلات الدير، أول زيارة موثقة لبطريرك ماروني إلى هذا المكان».

بدوره، رحب الرئيس العام للرهبانية الأباتي بو رعد بالبطريرك الراعي، مشيراً إلى «المكانة التي يحتلها دير القلعة في تاريخ الرهبانية، إذ كان لفترة من الزمن دير الرئاسة العامة ودير التنشئة».

وأكد أن «العلاقة بين الرهبانية والبطريركية المارونية هي علاقة محبة واحترام متجذرة في التاريخ، تمتد من البطريرك إسطفان الدويهي والبطريرك جبرائيل البلوزاوي وصولاً إلى البطريرك الراعي». وقال: «الرهبانية هي من الكنيسة، وفي حقلها نبتنا، وفيه نحمل ثقل النهار وحرّه»، مشدداً على أن «رسالتها تبقى في خدمة الكنيسة والاستجابة إلى حاجاتها».

ووصف الطوباوي الدويهي بأنه «مرجع لكنيستنا وحارس ذاكرتها والشاهد على أصالتها»، معتبراً أن «دعوة المسيحيين اليوم، وسط الأسئلة المطروحة حول مستقبلهم، هي أن يكونوا كنيسة شاهدة وخادمة، تعي دورها وتبقى كالخميرة، حاملة رسالة الكنيسة الأنطاكية».

ثم تحدث مؤلف الكتاب الأب بو عبود، فوصف «الغوص في فكر الدويهي بأنه رحلة في رحاب الحياة الروحية واللاهوتية والتاريخية وفي عمق التراث الليتورجي الماروني». وشكر البطريرك الراعي «تشجيعه وعلى المقدمة التي وضعها للكتاب»، معتبراً إياها «دعماً لمسيرته في البحث وخدمة الكنيسة»، كما شكر الرهبانية الأنطونية والحضور وعائلته.

وأكد أن «البحث في تراث الآباء والقديسين ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو استعادة لذاكرة حيّة تساعد الكنيسة على بناء حاضرها ومستقبلها»، متمنياً في ختام كلمته أن «تتكلل مسيرة الطوباوي الدويهي بإعلان قداسته»، ومشدداً على أنه «لم يترك لنا كتباً وتراثاً فحسب، بل ترك لنا دعوة إلى القداسة».

وفي كلمته، شكر البطريرك الراعي الرئيس العام ورئيس الدير والأب بو عبود على كلماتهم، وهنأ مؤلف الكتاب على عمله حول الطوباوي الدويهي.

واستعاد الراعي علاقته القديمة بالمكان، مشيراً إلى أنه «سبق أن زار الدير سنة 1967، وأن ما أصابه لاحقاً من اعتداء ودمار وما حلّ برهبانه بقي جرحاً في ذاكرته».

وقال إن «زيارته الحالية أتاحت له رؤية الدير وقد رُمّم ونهض من جديد، فيما بقي مصير الأبوين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل مجهولاً»، مضيفاً: «هذا جرح في قلبي وفي قلب الرهبانية وفي قلب الوطن. أنحني معكم أمامهما وأمام كل شهداء لبنان، ولست هنا لأفتح الجرح، بل لأقول إن هذا الجرح بقي في داخلي طوال هذه السنوات».

وأشار إلى أن «الرهبانية الأنطونية، برجالها ونسائها، استطاعت أن تنهض من جديد وتتابع رسالتها»، معتبراً أن «الشهداء هم بذار حياة للكنيسة، وأن الجرح المسيحي يبقى مفتوحاً على الرجاء والقيامة».

وأضاف أن «المسيح هو الشهيد الأول، وكذلك الرسل، وأن الكنيسة المارونية قدمت عبر تاريخها مئات الشهداء، فنمت بفضل شهادتهم واستمرت في رسالتها».

وانتقل الراعي إلى الحديث عن الطوباوي إسطفان الدويهي، واصفاً إياه بأنه «منارة علم وقداسة»، ومشيراً إلى «سعة إنتاجه في التاريخ واللاهوت والليتورجيا وشؤون الكنيسة». وأعرب عن إعجابه «بما أنجزه الدويهي في ظروف صعبة ومن قلب وادي قنوبين»، معتبراً أن «موسوعيته وعمق معرفته وقدرته على حفظ ذاكرة الكنيسة جعلت منه شخصية فريدة في التاريخ الماروني».

وقارن الراعي الدويهي بالطوباوي البطريرك إلياس الحويك، لافتاً إلى أن «لكل منهما مكانة استثنائية: الدويهي في العلم وحفظ تراث الكنيسة، والحويك في قيادته الكنسية والوطنية والدور الذي اضطلع به في قيام لبنان الكبير».

وأشار إلى أن «الكنيسة المارونية عرفت منذ سنة 1965 وحتى اليوم مسيرة متواصلة من القديسين والطوباويين»، معتبراً أن «ذلك يشكل علامة رجاء»، وقال: «السماء مفتوحة»، داعياً إلى «عيش الإيمان والشهادة المسيحية بفرح وثبات».

وفي ختام كلمته، هنأ الأب بو عبود، متمنياً له «دوام النجاح في أعمال تخدم الكنيسة والرهبانية والتراث الماروني»، وشكر جميع المشاركين في المناسبة.

وفي نهاية الاحتفال، قُدمت إلى البطريرك الراعي هدية تذكارية، قبل أن يشارك في مأدبة غداء رسمية أقيمت على شرفه وضمت نحو أربعين شخصاً.

وجاءت الزيارة لتجمع في مكان واحد بين ذاكرة دير عرف الألم والشهادة والنهوض، وذاكرة كنيسة حفظ الطوباوي الدويهي تراثها وليتورجيتها، في رسالة تؤكد أن الذاكرة، حين تُقرأ بالإيمان، لا تبقى أسيرة الجراح، بل تتحول إلى رجاء وشهادة وحياة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles