آراء ومقالات

قلعة الشقيف بين الذاكرة و”الأشياء الجديدة” للبنان | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

Spread the love

في الحرب على لبنان، لم تُقصف قلعة الشقيف في الجنوب اللبناني فحسب،  بل قُصفت أيضاً طبقات متراكمة من الذاكرة الإنسانية تراكمت فوق صخرة واحدة عبر قرون طويلة. هناك، على تلة تُشرف على نهر الليطاني، لم يكن الحجر مجرّد مادة بناء، بل نصاً تاريخياً مفتوحاً على حضارات تعاقبت وتصارعت، ثم تركت شهادتها في المكان.

في تلك القلعة حجارة رومانية وبيزنطية كانت تحرس طرق الساحل القديم، وقوس صليبي بناه فرسان الهيكل سنة 1139 وأطلقوا عليه اسم Beaufort “الحصن الجميل”، ثم آثار من زمن الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي أعاد ترميمها سنة 1603، وجعل منها رمزاً لسيادة لبنانية ناشئة في مواجهة السلطنة العثمانية.

لذلك، فالمسألة لا تتعلق ببناء أثري يمكن ترميمه لاحقاً، بل بذاكرة جماعية تُصاب في عمقها. فالحجارة التاريخية ليست جمادات صامتة، بل أرشيف شعوب، ومرآة هوية، وذاكرة مكان. ومن هنا ينبثق السؤال الأخلاقي قبل السياسي: كيف يتحوّل موقع يحمل هذا الثقل الحضاري إلى “هدف عسكري”؟ وكيف يستطيع العقل المعاصر، الذي يفاخر بخطاب الحضارة وحقوق الإنسان، أن يقبل بمحو الذاكرة بوصفه فعلاً عادياً في الحروب؟

قلعة الشقيف ليست ملك جماعة أو طائفة أو حزب، بل هي صورة مكثّفة عن لبنان نفسه: طبقات حضارية متراكبة، وهوية تشكّلت من التفاعل لا من الإلغاء. ففي أساساتها إرث روماني ـ بيزنطي يسبق انقسامات العصر الحديث، وفي جدرانها بقايا الحروب الصليبية التي جعلتها آخر معاقل الفرسان قبل سقوطها سنة 1268 بعد حصار طويل، وفي ترميمها المعني معنى لبناني مبكر لفكرة السيادة المحلية في مواجهة الهيمنة الخارجية. إنها شاهد على أن هذه الأرض لم تكن يوماً فراغاً تاريخياً، بل ملتقى حضارات تركت آثارها وتعاقبت فوق ترابها من دون أن تُلغي إحداها الأخرى. ولهذا، فإن الاعتداء على الشقيف لا يصيب الجنوب وحده، بل يصيب فكرة لبنان الثقافية نفسها: لبنان بوصفه ذاكرة مشتركة، لا مجرد مساحة جغرافية متنازعاً عليها.

قبل 135 عاماً، أصدر البابا لاون الثالث عشر، سنة 1891، رسالته الشهيرة Rerum Novarum “الأشياء الجديدة”، في لحظة كانت فيها أوروبا الصناعية تسحق العامل وتحوله إلى رقم داخل آلة اقتصادية ضخمة. يومها أدركت الكنيسة أن الصمت أمام الظلم الاجتماعي خيانة لرسالتها، فجاء الموقف النبوي دفاعاً عن الإنسان وكرامته.

أما اليوم، وبعد أكثر من قرن، فنحن أمام “أشياء جديدة” من نوع آخر تخص لبنان. لم يعد الإنسان وحده مهدداً، بل ذاكرته أيضاً. صارت الحضارة تُختزل إلى إحداثيات على شاشة، والتراث إلى “أضرار جانبية” في لغة الحرب الباردة. ومن هنا، فإن الدفاع عن التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل واجباً أخلاقياً وروحياً، لأن الشعوب التي تُقتلع ذاكرتها تصبح أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتمزق والنسيان.

الصوت النبوي الحقيقي لا يدخل في الحسابات السياسية الضيقة، بل يذكّر الإنسان بحدود القوة. وكما دافعت Rerum Novarum الأولى عن العامل المهدَّد بالاستغلال، فإن “الأشياء الجديدة” للبنان مدعوّة اليوم للدفاع عن الذاكرة المهددة بالمحو.

ولماذا لا يقبل الضمير الإنساني هذا التدمير؟
أولاً، لأن التراث ليس هدفاً حربياً. فالقانون الدولي نفسه يميّز بين الأهداف العسكرية والممتلكات الثقافية. وقد قامت اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية زمن النزاعات المسلحة على مبدأ واضح: الحضارة الإنسانية ملك للبشرية جمعاء، ولا يجوز تحويلها إلى مادة للدمار. وحين تُقصف قلعة تاريخية، لا يُصاب الحجر وحده، بل يُصاب الضمير القانوني للعالم أيضاً.

ثانياً، لأن تدمير الذاكرة شكل من أشكال قتل الهوية. فثمة فرق بين هدم مبنى وإعدام ذاكرة. المباني يمكن إعادة هندستها، أما الذاكرة فلا تُستعاد بالسهولة نفسها. حين تُقتلع شجرة أرز عمرها مئات السنين، يمكن زرع غيرها، لكن لا يمكن استعادة الزمن المختزن في جذعها. وكذلك القلاع والأديرة والمعابد والأسواق القديمة؛ فهي تختزن أعمار الشعوب، لا مجرد حجارتها. ولهذا، فإن محو التراث هو شكل من أشكال “قتل الذاكرة”، أي ضرب الإنسان في عمقه الرمزي والثقافي.

ثالثاً، لأن الإيمان نفسه يحترم الحجر حين يحمل معنى الإنسان. ففي التقليد الإنجيلي لم يكن المكان أمراً محايداً. لقد بكى المسيح على أورشليم قبل خرابها، لأن سقوط المدينة لم يكن مجرد حدث عمراني، بل انكساراً في روح شعب كامل. والحجر، حين يصبح حاملاً لذاكرة الإنسان، يكتسب بعداً أخلاقياً وروحياً. ومن هنا، فإن حماية التراث ليست عبادة للماضي، بل دفاع عن معنى الإنسان في التاريخ.

في أزمنة الضجيج والحروب، يصبح التوثيق مقاومة، وتصبح الكلمة أمانة. وواجبنا اليوم ليس التحريض، بل الشهادة للحقيقة: أن نكتب، ونوثّق، ونعلّم أبناءنا أن هذه الأرض ليست ساحة صراع فقط، بل مساحة حضارة أيضاً.

واجبنا أن نربّي جيلاً يعرف أن لبنان ليس وليد قرن أو نظام أو طائفة، بل ثمرة تاريخ طويل من التراكم الإنساني والثقافي. وإذا كانت Rerum Novarum سنة 1891 صرخة دفاعاً عن الإنسان العامل، فإن “الأشياء الجديدة” للبنان يجب أن تكون صرخة دفاعاً عن الذاكرة الإنسانية نفسها.

لأن الأمم لا تموت فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل أيضاً عندما تفقد ذاكرتها. ولأن الحجر الذي ينكسر يمكن ترميمه، أما الذاكرة التي تُمحى، فغالباً لا تعود كما كانت.
“طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون” (متى 5: 9).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى