الحاج عمر غندور: لبنان فقد البوصلة بين الدولة والمقاومة وغياب رؤية موحدة يهدد المرحلة المقبلة

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مسارات السياسة مع وقائع الميدان، ويقف لبنان على خط تماس مفتوح بين ضغوط الخارج وتناقضات الداخل، يبرز خطاب سياسي يعيد طرح الأسئلة الكبرى بلا مواربة: ماذا يريد لبنان؟ وعلى أي أساس يفاوض؟ وهل ما يجري محاولة إنقاذ أم انزلاق تدريجي نحو تنازلات بلا مقابل؟
في هذا السياق، يقدّم الحاج عمر غندور قراءة حادّة للمشهد، تنطلق من ثوابت يعتبرها غير قابلة للمساومة: السيادة، الكرامة، ورفض الاحتلال. قراءة لا تفصل بين ما يجري في الجنوب اللبناني وما يُرسم للمنطقة ككل، ولا بين السياسة والوقائع الميدانية التي “تفرض نفسها بالقوة”.
ينطلق غندور من نقطة مركزية: التشكيك في جدوى المفاوضات المباشرة التي تمضي بها الدولة اللبنانية في ظل استمرار الاعتداءات. بالنسبة له، المشكلة ليست في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في غياب عناصر القوة التي تجعله ذا معنى.
“أي تفاوض يحتاج إلى أوراق” ، يقول، مضيفاً أن الدولة اللبنانية “تخلّت عن أبرز عناصر قوتها قبل أن تجلس إلى الطاولة”. في إشارة واضحة إلى سلاح المقاومة، الذي يعتبره “الورقة الوحيدة الفعلية التي يمكن البناء عليها”.
من هذا المنطلق، يرى أن الذهاب إلى التفاوض من موقع ضعف لا يؤدي إلا إلى فرض شروط الطرف الأقوى. ويطرح تساؤلاً مباشراً: “ماذا ستقدّم الدولة؟ وماذا ستحصل بالمقابل؟”.
بالنسبة إليه، التفاوض ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق مكاسب واضحة: استعادة الأرض، عودة الأهالي، وتحرير الأسرى. أما في غياب هذه الشروط، فإن العملية برمّتها تتحول إلى “غطاء سياسي لواقع ميداني مفروض”.
في قراءته للميدان، يحذّر غندور من أن ما يجري في الجنوب ليس مجرد خروقات عابرة، بل مسار متدرّج لفرض وقائع جديدة. يتحدث عن “تقدّم تدريجي” يهدف إلى تثبيت خطوط جديدة، بحيث يتحول ما هو مؤقت إلى دائم.
“اليوم نتحدث عن خط أصفر، غداً يصبح أمراً واقعاً” ، يقول، معتبراً أن الخطر لا يكمن فقط في الاحتلال المباشر، بل في “تآكل الحدود تدريجياً تحت غطاء التهدئة”.
ويضيف أن إسرائيل “لا تحتاج دائماً إلى ذرائع كبرى”، إذ يكفي وجود أي عنوان – أمني أو سياسي – لتبرير التقدم. “اليوم الحجة هي المقاومة، وغداً قد تكون أي شيء آخر”، على حد تعبيره.
يرفض غندور الطرح القائل بإمكانية الفصل بين الحرب والسلام في السياق الحالي، معتبراً أن المعادلة التي تفرضها إسرائيل هي “إما مواجهة أو استسلام”. ويرى أن أي محاولة لتقديم تنازلات من طرف واحد لن تؤدي إلى تهدئة، بل إلى مزيد من الضغوط.
في هذا الإطار، يشدد على أن “التجارب السابقة أثبتت أن الانسحابات لم تحصل إلا تحت الضغط”، مستحضراً محطات تاريخية يعتبرها دليلاً على أن “القوة وحدها تفرض التوازن”.
لا ينفي غندور أهمية العمل الدبلوماسي، لكنه يضعه في إطار مشروط: “الدبلوماسية تنجح عندما تستند إلى قوة”. ويعتبر أن منح الدولة فرصة للتحرك سياسياً كان خياراً مقبولاً، “لكن النتائج حتى الآن لا تعكس أي تقدم ملموس”.
ويضيف أن غياب الإنجازات، ولو الرمزية، يضعف موقع لبنان التفاوضي، ويطرح علامات استفهام حول جدوى المسار الحالي.
يتوقف غندور عند استهداف الصحافيين، معتبراً أنه ليس حدثاً عرضياً، بل “جزء من محاولة إسكات الرواية”. ويرى أن ما جرى يندرج ضمن “انتهاك واضح لكل القوانين الدولية التي تحمي المدنيين والإعلاميين”.
ويشير إلى أن “صمت المجتمع الدولي” يشجع على تكرار هذه الانتهاكات، ويكرّس منطق الإفلات من المحاسبة.
بعيداً عن الميدان، يضع غندور الإصبع على جرح الداخل اللبناني. بالنسبة له، المشكلة الأساسية ليست فقط في الضغوط الخارجية، بل في الانقسام الداخلي الذي “يفتح الباب أمام كل التدخلات”.
“أي شعب منقسم هو شعب ضعيف” ، يقول، معتبراً أن غياب وحدة الموقف ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في التفاوض أو المواجهة.
ويحذّر من أن استمرار هذا الانقسام قد يقود إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً، حيث تتحول الساحة الداخلية إلى مساحة صراع مفتوح.
في مقاربة أوسع، يتحدث غندور عن “ضياع البوصلة” على المستوى العربي. يستعيد مراحل تاريخية كانت فيها القضية الفلسطينية “محور الإجماع”، مقابل واقع حالي يتسم بالتشتت والتباين.
“كنا نعرف أين نقف… اليوم لم يعد الأمر واضحاً” ، يقول، في إشارة إلى التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
ويرى أن هذا التحول انعكس مباشرة على لبنان، الذي فقد جزءاً من عمقه الاستراتيجي، وبات أكثر عرضة للضغوط.
يرفض غندور الدعوات إلى الحياد، معتبراً أنها “تنفصل عن واقع الصراع القائم”. بالنسبة له، لا يمكن الوقوف على مسافة واحدة “بين الحق والباطل”، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال.
ويعتبر أن طرح الحياد في هذا التوقيت “يتجاهل طبيعة التحديات”، ولا يقدّم حلاً عملياً.
في مواجهة كل هذه التحديات، يدعو غندور إلى إعادة بناء الموقف الداخلي على أساس واضح: وحدة الرؤية. يرى أن أي مسار – تفاوضي أو ميداني – يحتاج إلى “غطاء وطني جامع”، يحدد الأولويات ويمنع التشتت.
“إما أن نكون موحّدين، أو ندفع الثمن جميعاً” ، يقول، في تحذير يعكس حجم المخاوف من المرحلة المقبلة.
يوجّه غندور رسالة مباشرة إلى الشباب، يدعوهم فيها إلى “التمسّك بالحق مهما كانت الكلفة”. بالنسبة له، الرهان الحقيقي ليس فقط على القيادات، بل على وعي الجيل الجديد وقدرته على “إعادة تصويب المسار”.
يرسم الحاج عمر غندور صورة بلد يقف عند مفترق طرق حاسم: بين خيار الاستمرار في مسار تفاوضي يفتقر إلى عناصر القوة، وخيار إعادة بناء الموقف الداخلي على أسس أكثر صلابة.
لا يقدّم حلولاً جاهزة بقدر ما يطرح أسئلة صعبة:
هل يملك لبنان ترف الوقت؟
هل يمكن تصحيح المسار قبل فوات الأوان؟
وأي كلفة سيدفعها إذا استمر في النهج الحالي؟
في بلد اعتاد العيش على الحافة، تبدو الإجابات مؤجلة، لكن المؤكد – وفق هذا الطرح – أن المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها، وأن ما يُرسم اليوم قد يحدّد شكل لبنان لسنوات طويلة قادمة.



