الأكاديمية الدبلوماسية للعلاقات الدولية: مؤلَّف يطرح إشكاليات عميقة حول الديمقراطية والطائفية والعدالة واستقلال القضاء، ويضع إصلاح النظام اللبناني في صلب النقاش الفكري والوطني
محمد الحاجم
في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، تتعاظم فيها التحديات السياسية والدستورية والاقتصادية، وتبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أسس بناء الدولة ومؤسساتها، يقدّم الكاتب والباحث ملحم جميل البستاني مؤلَّفه «من الديمقراطية العددية إلى ديمقراطية الكفاءة»، الصادر عن دار النجوى للنشر والطباعة، بوصفه مساهمة فكرية جادة في النقاش حول مستقبل النظام السياسي اللبناني وإمكانات الانتقال من واقع المحاصصة والانقسامات إلى دولة المؤسسات والكفاءة والعدالة.
ويكتسب الكتاب أهميته من طبيعة الأسئلة التي يطرحها، إذ لا يكتفي بمقاربة الديمقراطية باعتبارها آلية انتخابية تقوم على الأكثرية العددية، بل يتناول إشكالية أعمق تتصل بقدرة الأنظمة الديمقراطية على إنتاج حكم رشيد، وصون حقوق الإنسان، وتعزيز استقلال المؤسسات، وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين.
ومن خلال مقاربة تجمع بين الفكر السياسي والتاريخ والقانون والإدارة العامة، يفتح البستاني ملفات شائكة ترتبط ببنية النظام اللبناني، وفي مقدمتها الطائفية السياسية، واللامركزية الإدارية، وآليات التمثيل النيابي، واستقلال السلطة القضائية، وأخلاقيات الوظيفة العامة، ومكافحة الفساد.
ثلاثة محاور كبرى… من تشخيص الأزمة إلى البحث عن الحلول
يتوزع المؤلَّف على ثلاثة فصول رئيسية، يتناول أولها الديمقراطية وحقوق الإنسان واللامركزية، من خلال مناقشة الأسس الفكرية للديمقراطية وتطور مفاهيمها وعلاقتها بالمواثيق الدولية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
أما الفصل الثاني، فينتقل إلى التاريخ والاقتصاد والدين، متوقفًا عند محطات مفصلية في نشأة لبنان وتطور نظامه السياسي، وصولًا إلى الإشكاليات المرتبطة بالتشريع والاقتصاد والانتخابات.
ويخصص الفصل الثالث للعدالة وأخلاقيات الوظيفة العامة والفساد وانتخاب القضاة، في مقاربة تسعى إلى إعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة واستقلال القضاء، باعتبارهما من الركائز الأساسية لأي مشروع إصلاحي حقيقي.
الطائفية في قلب الإشكالية اللبنانية
ومن أبرز ما يميّز هذا العمل وضع العصبية الطائفية في صدارة التحديات التي تعترض قيام الدولة المدنية، إذ ينطلق المؤلف من اعتبار أن تجاوز الانقسامات الطائفية يشكّل مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويطرح في هذا السياق أفكارًا تتعلق بإعادة النظر في قواعد انتخاب مجلس النواب على أساس غير طائفي، وتطوير آليات اختيار المسؤولين في المؤسسات الدستورية والقضائية، بما يفتح المجال أمام نقاش واسع حول حدود الإصلاح الممكن وطبيعة التحولات المطلوبة.
ولا تنبع أهمية هذه الطروحات من اعتبارها حلولًا نهائية أو مسلّمات سياسية، بل من قدرتها على تحفيز التفكير النقدي وفتح باب الحوار بين الباحثين والأكاديميين والقانونيين وأصحاب القرار حول مستقبل الدولة اللبنانية.
من الفكر النظري إلى مشروع إصلاحي قابل للنقاش
وتبرز القيمة الفكرية للمؤلَّف في سعي صاحبه إلى الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى تقديم تصورات ومقترحات للتغيير، انطلاقًا من قناعة بأن الإصلاح لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة وإرادة سياسية وأطر دستورية وقانونية واضحة.
كما يطرح الكتاب سؤالًا جوهريًا يتجاوز الحالة اللبنانية: هل يكفي الاحتكام إلى الأكثرية العددية لضمان ديمقراطية ناجحة، أم أن جودة الحكم ترتبط أيضًا بالكفاءة والنزاهة واستقلال المؤسسات وحماية الحقوق والحريات؟
إنه سؤال يستحق أن يكون محورًا للنقاش في الجامعات ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية، لما ينطوي عليه من أبعاد سياسية ودستورية وفلسفية تتصل بجوهر العلاقة بين المواطن والسلطة.
دعوة إلى نقاش أكاديمي ووطني واسع
وفي قراءة ثقافية لأهمية هذا الإصدار، تبرز الحاجة إلى التعامل مع الكتاب بوصفه مادة للنقاش الأكاديمي والبحثي، وإلى إخضاع مقترحاته للدراسة والتحليل والمقارنة مع التجارب الدستورية والديمقراطية المختلفة.
فلبنان، الذي يواجه أزمات متراكمة في الإدارة والاقتصاد والقضاء والتمثيل السياسي، يحتاج إلى مبادرات فكرية تعيد الاعتبار إلى ثقافة الإصلاح وتوسّع مساحة الحوار حول بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
ومن هنا، يشكّل كتاب «من الديمقراطية العددية إلى ديمقراطية الكفاءة» للكاتب ملحم جميل البستاني إضافة إلى النقاش الفكري اللبناني، ومحاولة لطرح أسئلة جريئة حول النظام السياسي وإمكانات تطويره.
فالدول لا تُبنى بالأعداد وحدها، ولا تنهض بالمواقع والمناصب، بل بقوة مؤسساتها وكفاءة القائمين عليها وعدالة قوانينها وقدرتها على حماية كرامة الإنسان.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق التي يفتح هذا المؤلَّف الباب لمناقشتها: كيف ينتقل لبنان من إدارة أزماته المتكررة إلى بناء دولة قادرة على صناعة مستقبلها؟




