==========================
في عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والتوترات الإقليمية، لم تعد قوة العلاقات بين الدول تُقاس بحجم التبادل التجاري أو الاستثمارات المتبادلة وحدها، وإنما بقدرتها على بناء مصالح مشتركة تحمي اقتصاداتها وتدعم استقرارها في أوقات الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تكتسب العلاقات المصرية السعودية أهمية متزايدة، خاصة مع التحركات الأخيرة لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات تؤثر على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
وجاء توقيع مذكرة التفاهم بين مصر والسعودية في 11 أكتوبر 2026، لتعزيز التعاون في البترول والغاز الطبيعي ونقل وتخزين المنتجات البترولية، ليعكس توجهًا نحو توسيع المصالح الاقتصادية المشتركة.
وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لهذا التعاون لا تكمن في عدد الاتفاقيات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى استثمارات منتجة ومشروعات تحقق قيمة مضافة للاقتصادين المصري والسعودي.
7.1 مليار دولار.. ماذا تقول الأرقام؟
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية نحو 7.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 5.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت 19.7%.
وسجلت الصادرات المصرية إلى المملكة نحو 1.8 مليار دولار، بينما بلغت الواردات نحو 5.3 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام قوة العلاقات التجارية، لكنها تكشف أيضًا عن فرصة مهمة لتوسيع التعاون الصناعي وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة.
فالتحدي ليس فقط في زيادة حجم التجارة، وإنما في تطوير طبيعتها، والانتقال تدريجيًا من تبادل المنتجات إلى بناء صناعات مشتركة وسلاسل توريد تخدم البلدين وأسواقًا خارجية.
الطاقة والربط الكهربائي.. شراكة تتجاوز الحدود
تمثل الطاقة أحد أهم مجالات التكامل الاقتصادي بين البلدين، فالسعودية تمتلك مكانة رئيسية في أسواق النفط العالمية، بينما تتمتع مصر بموقع جغرافي استراتيجي وبنية أساسية في التكرير والنقل والخدمات اللوجستية.
ويمكن أن تفتح الاتفاقيات الجديدة فرصًا لتطوير مشروعات مشتركة في تخزين وتداول المنتجات البترولية والصناعات المرتبطة بالطاقة.
كما يمثل مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي، بقدرة مستهدفة تبلغ 3000 ميجاوات، نموذجًا للتعاون الذي يمكن أن يعزز كفاءة استخدام الطاقة ويدعم أمن الإمدادات الكهربائية.
ومن واقع خبرتي في المشروعات الهندسية والاستثمار الدولي، أرى أن نجاح هذه المشروعات لا يُقاس بحجم الإنفاق عليها فقط، بل بما تضيفه من قدرات إنتاجية وكفاءة تشغيلية وفرص اقتصادية مستدامة.
البحر الأحمر.. الاستقرار أساس التنمية
تؤكد التطورات الإقليمية الأخيرة أن أمن الممرات البحرية أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي.
فالبحر الأحمر يمثل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة، وأي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، ويؤثر على قرارات الاستثمار والتجارة الدولية.
ولهذا فإن التعاون المصري السعودي في دعم الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الاقتصادية يكتسب أهمية تتجاوز حدود البلدين.
ولا يمكن فصل هذه الجهود عن أهمية خفض التوترات والحلول الدبلوماسية، باعتبار أن الاستقرار السياسي والأمني يمثل أحد أهم شروط النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
من تدفق الاستثمارات إلى بناء الصناعة
تمتلك مصر والسعودية مقومات يمكن أن تدعم إنشاء مشروعات مشتركة في الصناعات الهندسية والغذائية والدوائية والطاقة والخدمات اللوجستية.
فالمملكة تعمل على تنويع اقتصادها وتطوير قطاعات جديدة ضمن رؤية 2030، بينما تسعى مصر إلى توسيع قاعدتها الصناعية وزيادة الصادرات وتعزيز دور القطاع الخاص.
والفرصة هنا لا تقتصر على انتقال رؤوس الأموال، بل تشمل نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية وفتح أسواق جديدة للمنتجات المشتركة.
وأعتقد أن الأولوية ينبغي أن تكون للمشروعات القادرة على تحقيق إنتاج حقيقي، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتعميق المكون المحلي، بدلًا من التركيز على قيمة الاستثمارات المعلنة وحدها.
كما يمكن لهذا التكامل أن يفتح فرصًا اقتصادية لدول الخليج الأخرى، ومنها الإمارات، من خلال توسيع سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية والشراكات الصناعية الإقليمية.
الاتفاقيات بداية الطريق وليست نهايته
لكي تحقق الشراكة المصرية السعودية نتائج اقتصادية ملموسة، من الضروري تحديد المشروعات ذات الأولوية، وتوفير آليات تمويل مناسبة، ووضع جداول زمنية واضحة للتنفيذ.
كما يجب قياس النتائج من خلال حجم الإنتاج الجديد، ونمو الصادرات، وفرص العمل، ونسبة المكونات المحلية، وليس فقط عدد الاتفاقيات أو التعهدات الاستثمارية.
فالدبلوماسية الاقتصادية الناجحة هي التي تستطيع تحويل العلاقات السياسية القوية إلى مصالح إنتاجية متبادلة، يشعر بعائدها المستثمر والمواطن والاقتصاد الوطني.
خلاصة الدكروري
أرى أن العلاقات المصرية السعودية أمام فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا من التكامل الاقتصادي، تقوم على الصناعة والطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، وتستفيد من المقومات المختلفة لدى البلدين.
فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى استثمارات أكبر، بل إلى اقتصادات أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة ومواجهة الأزمات.
وحين تتحول الاتفاقيات إلى مصانع تعمل، وطاقة تُنتج، وصادرات تنمو، وفرص عمل تُخلق، يصبح التكامل الاقتصادي خط الدفاع الأول عن مستقبل التنمية والاستقرار في المنطقة





