مريم بيضون – ستار نيوز فيجن
وقَّعَ الدكتور أحمد حبيب عبُّود كتابه الجديد «التطوُّر التاريخي للجمعيَّات الأهليَّة والمدنيَّة في لبنان ما بين عامي 1958 و 2018 (مؤسَّسة عامل أُنموذجًا)»، الصَّادِر عن دار نلسن للنشر، ضِمن فعاليَّات الدورة السَّابِعة والسِّتين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في إصدار يُشكِّل دراسة تاريخيَّة أكاديميَّة للتطوُّر التاريخي لعدد من الجمعيَّات الأهليَّة والمدنيَّة في لبنان بين العام 1958 و 2018 من حيث دوافع نشأتها والدور الإنساني – الإجتماعي – الإغاثي والتنموي الذي اضطلعت به خلال مراحل مِفصليَّة من تاريخ لبنان الحديث والمعاصر بدءًا من عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1958 مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 ، وانتهاء بمرحلة السلم الوطني والأزمة السورية حتى نهاية العام 2018.
وقد ارتأى الباحِث تخصيص حَيِّز من دراسته لمؤسسة عامل الدوليَّة بوصفها حالةً تطبيقيَّة تندرج ضمن المُقارَبة التحليليَّة للبحث، لا انطلاقًا من أيّ ارتباط مُؤسَّسي بها، بل لما تختزنه تجربتها من دلالات حول تطوُّر العمل الأهلي في لبنان. فقد نشأت المؤسسة استجابةً لحاجات إنسانيَّة فرضها غياب الدولة في أعقاب الإجتياح الإسرائيلي عام 1978، قبل أن يتّسع دورها تدريجيًا ويتجاوز حدود الإستجابة الإغاثيَّة المُباشرة، نحو مقاربة إجتماعية تقوم على ترسيخ ثقافة الحقوق، وتعزيز قيم التضامُن والمُشاركة، والعمل على مُعالجة جذور الإختلالات الإجتماعية، بعيدًا عن مُقارَبات الإحسان التقليدي والرعاية القائمة على التبعيَّة.
ولا يقتصر الإهتمام في هذا الكتاب على تجربة مؤسسة بعينها، بل يمتدّ إلى دراسة نماذج من الجمعيَّات اللبنانيَّة التي راكمت خُبرات طويلة في العمل الإنساني والإجتماعي، من بينها رابطة كاريتاس لبنان، وجمعيَّة النجدة الشعبيَّة اللبنانيَّة، والحركة الإجتماعيَّة، وجمعيَّة تنظيم الأسرة في لبنان. وقد تناول الباحِث هذه التجارب من منظور مُقارن، لا بقصد المُفاضَلة بينها أو ترتيبها، بل لفهم خُصوصيَّة أدوارها، ورَصد نقاط الإلتقاء والتكامُل في مساراتِها. وتُظهِر هذه المُقاربة أهمية التنوُّع المُؤسَّسي في الحفاظ على التماسُك الإجتماعي اللبناني، ولا سيما خلال الحرب الأهلية اللبنانية وفي المراحل التي تلتها، حين اضطلعت هذه الجمعيات بأدوار أساسية في الإستجابة للحاجات المُجتمعيَّة، والحدّ من تفكُّك الروابط الإجتماعية، والمُساهمة في استعادة الثقة بين الأفراد والمؤسسات، وفتح قنوات للتواصُل والتضامُن في ظِلّ الإنقسامات السياسيَّة والطائفيَّة.
وفي تصوُّر الدكتور عبُّود، لا يقوم المُجتمع المدني على مبدأ التناقُض الحتمي مع الدولة، بل يُشكِّل أحد الأطراف الأساسيَّة في دعم الحياة الديمقراطية وتطويرها. فالعلاقة بينهما لا تخلو من التباين أو المواجهة، خصوصًا عندما تتعارض السياسات العامة مع مطالب المجتمع وتطلّعاته، غير أنّ هذا التباين يَظَلّ، وِفْقَ هذه الرؤية، جزءًا من المسار الديمقراطي الهادِف إلى تقويم أداء الدولة وتعزيز شرعيتها، لا إلى تقويض وجودها. وانطلاقًا من ذلك، يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في المُقاربات النظرية والتعريفات الشائِعة للمجتمع المدني، بما يُتيح فهمًا أكثر التصاقًا بالخُصوصيَّة اللبنانية، إذ تتباين طبيعة العلاقة بين الجمعيات والسلطة تبعًا للبيئات المحلية والتحوّلات السياسية والإجتماعية والمراحل التاريخية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مفاهيمية مَرِنة تستوعب هذا التنوُّع، وتُتيح قراءة أكثر دقَّة لدور المجتمع المدني وحدود تأثيره في الواقع اللبناني.
كامل مهنا: مشروع توثيقي ينطلق من تجربة ميدانية
يستهلّ الدكتور كامل مهنا، رئيس ومُؤسِّس مُؤسسَّة عامِل الدوليَّة، مُقدِّمة الكتاب المُعَنْوَن «من التجربة إلى التحليل: في فهم أدوار الجمعيَّات الأهليَّة والمدنيَّة وتحوُّلاتها في لبنان»، بالإضاءة على الأهمية العلميَّة والتوثيقيَّة للعمل الذي أنجَزَهُ الدكتور أحمد عبُّود، مُعتبِرًا إيَّاه مشروعاً بحثيًّا بالِغ الأهمية يُوثِّق مسيرة عدد من الجمعيَّات الأهليَّة والمدنيَّة المُنضوِيَة في تجمُّع الهيئات الأهليَّة التطوعيَّة في لبنان وفي مُقدِّمتها مُؤسَّسة عامل الدوليَّة.
ويُؤكِّد مهنا في مُقدِّمة الكتاب أنَّ هذا العمل لا يندرج في إطار البحث الأكاديمي النظري فحسب، بل يتجاوز ذلك ليُمثِّل ثمرة تجربة ميدانيَّة عميقة ومُتشابِكة عاشَها الدكتور أحمد عبُّود على مدى سنوات، بِصِفَتِه “مُربِّيًا مُلتزِمًا، وناشطًا مدنيًّا، ومُديرًا تنفيذيًّا لإحدى مُؤسَّسات المجتمع المدني في لبنان، مُؤسَّسة عامل الدوليَّة، التي كانت ولا تزال مُختَبَرًا حيًّا لفهم التحدّيات والآمال التي واكَبَت مسيرة الجمعيَّات الأهليَّة والمدنيَّة في هذا البلد.”
ويُبرِز مهنا، في هذا السِّياق، الدور الذي أدَّاه عبُّود في مسيرة مُؤسَّسة عامل الدوليَّة، باعتباره من أوائل من حملوا رسالتها الإنسانية وأسهموا في تطوير بُنيتها الإداريَّة والتنظيميَّة وتعزيز ارتباطها بالمجتمع المحلي. كما يُشير إلى أنَّ تجربته داخل المُؤسَّسة لم تقتصر على الجانب التنفيذي، بل شكَّلَت مدخلًا لفهم العمل الإجتماعي بوصفه فِعلًا يتجاوز الإستجابة للحاجات المُباشِرة، ليتّصل بقضايا الحقوق والتحرُّر الإجتماعي والمُشاركة المُجتمعيَّة، وبالسعي إلى إحداث تغيير إيجابي في الواقع القائِم.
ومن هذا المنطلق، تبرُز قيمة الكتاب في جمعه بين التوثيق والتحليل، وبين الخبرة الميدانيَّة والمُقارَبة الفكريَّة، بما يُتيح قراءة مسار الجمعيات الأهلية والمدنية في لبنان، وفهم التحوُّلات التي طالَت بُنيتها ووظائفها وأدوارها على امتداد ستة عقود، في ظِلّ تغيُّر الظروف السياسيَّة والإجتماعيَّة، وتبدُّل طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، وتنامي الأسئلة المُرتبطة بقدرة هذه المُؤسَّسات على الإستجابة للتحوُّلات الوطنيَّّة وصَوْن الروابط الإجتماعية وتعزيز المُشاركة المُجتمعيَّة.
نبذة عن المُؤلِّف:
الدكتور أحمد حبيب عبُّود
مواليد البازورية – قضاء صور 1953
حَائِزٌ على :
– إجازة في العلوم السياسية والإداريَّة – الجامعة اللبنانيَّة عام 1979
– إجازة في التاريخ – الجامعة اللبنانيَّة عام 1980
– ماجستير في التاريخ – الجامعة اللبنانية عام 1992
– دكتوراه في التاريخ – الجامعة اللبنانية عام 2025 بتقدير جيد جداً.
المدير التنفيذي في مؤسسة عامل الدوليَّة وعُضو الهيئتين الإداريَّة والتنفيذيَّة فيها .
مارس التعليم الرسمي لمدة 31 عامًا ثم مديرًأ لمدرسة الليلكي الرسميَّة لمدة 14 عامًا.
مِن مُؤلّفاته : إنتفاضة الجنوب وسياسة الأحلاف والمحاور، دار الكتاب الحديث ، بيروت عام 1993.










