يفتح تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44 أمام لبنان اختباراً يتجاوز الالتزام بمتطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، ليطال فعالية الرقابة على حركة الأموال، ومكافحة استخدام الأنشطة التجارية والاستثمارات العقارية والمالية لإخفاء مصادر الأموال غير المشروعة وإضفاء غطاء قانوني عليها.
وكان لبنان، وفق تقرير مجموعة العمل المالي (FATF) الصادر في حزيران الماضي، قد التزم في تشرين الأول 2024 بالتعاون مع المجموعة ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF)، بهدف تعزيز فعالية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتشمل خطة العمل معالجة أوجه القصور في تقييم المخاطر، وتعزيز التعاون القضائي الدولي واسترداد الأصول غير المشروعة، وتشديد الرقابة على الشركات والمهن غير المالية والجمعيات عالية المخاطر، وضمان تحديث المعلومات المتعلقة بالمستفيدين الحقيقيين، أي الأشخاص الذين يملكون الشركات فعلياً أو يسيطرون عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى تكثيف التحقيقات والملاحقات القضائية في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتطبيق الفوري للعقوبات المالية المستهدفة.
وتنبع أهمية التعديلات التي يعمل المعنيون على إنجازها من الثغرات التي كشفها التقييم الدولي، سواء على صعيد تحديد المستفيد الفعلي من الشركات والأصول، أو في ملاحقة الأموال التي تمر عبر وسطاء وكيانات تجارية متعددة قبل استقرارها في الاقتصاد المحلي. فالمسألة لا تقتصر على مصدر الأموال، بل تشمل أيضاً الجهة التي تملكها فعلياً، والطرق التي تنتقل بها، والوسائل المستخدمة لإخفاء هوية أصحابها.
وفي هذا الإطار، أنجزت لجنة المال والموازنة التعديلات المقترحة على القانون الرقم 44، التي أعدّها مصرف لبنان بعد نقاشات متعددة مع مجموعة العمل المالي، وتم التوافق على مصطلحاتها ومفاهيمها التفصيلية. وقد أخذت اللجنة بهذه التعديلات بصورة عامة من دون إدخال تغييرات جوهرية عليها.
وتنتظر اللجنة ملاحظات وزير العدل عادل نصار، الذي غاب عن الجلسة، لكنه أبلغ رئيس اللجنة بوجود ملاحظات لديه على التعديلات، متمنياً عدم إقرار القانون قبل الاستماع إليها. وبناءً على ذلك، جرى الاتفاق على أن يودع وزير العدل ملاحظاته خطياً لدى اللجنة، تمهيداً لاستكمال مناقشة التعديلات والإقرار النهائي للقانون.
وبحسب مصادر نيابية، يفترض أن يكرّس هذا التوجه خلال الجلسة العامة، بما يوسّع نطاق الملاحقة لتشمل، إلى جانب من يتولى نقل الأموال أو تحويلها، الأشخاص الذين ينتفعون منها عبر استثمارات وعمليات تبدو في ظاهرها مشروعة.
ولا شك في أن القانون النافذ يجرّم أصلاً تحويل الأموال غير المشروعة أو نقلها أو استثمارها بهدف إخفاء مصدرها، كما يفصل جريمة تبييض الأموال عن الجريمة الأصلية التي نتجت منها العائدات. غير أن التحدي الأكبر يتجاوز الصياغة القانونية، إذ أظهرت التقييمات أن التحقيقات في لبنان تميل إلى التركيز على الجرائم التي أنتجت الأموال، فيما لا تحظى حركة هذه الأموال ومساراتها بالقدر الكافي من التتبع، بالتوازي مع محدودية الإدانات بجرائم التبييض.
ويشكّل ملف المستفيد الحقيقي أحد المفاتيح الأساسية لأي معالجة. فالشركة المسجلة قانونياً باسم شخص معين قد تكون، وفق قراءة أستاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى، خاضعة فعلياً لسيطرة شخص آخر، فيما قد تعود أرباحها إلى جهات لا تظهر في وثائق التأسيس أو السجلات الرسمية. لذلك، لا يكفي كشف الاسم المسجل ما لم تتمكن الجهات الرقابية والقضائية من تحديد صاحب القرار الفعلي، والجهة المستفيدة من النشاط، وطبيعة الروابط المالية بين المساهمين والمستثمرين والأطراف المستفيدة.
وقد أشار التقييم الدولي إلى وجود ثغرات في تحديد السيطرة غير المباشرة على الشركات، فضلاً عن إمكانية الاستعانة بأشخاص يحملون وكالات عن المؤسسين لإنشاء كيانات تجارية، من دون ضمان إخضاع هذه العمليات بصورة كافية لمتطلبات مكافحة تبييض الأموال. وعليه، فإن القيمة الفعلية للتعديل ترتبط، بحسب موسى، بمدى قدرته على ردم الفجوة بين الملكية المسجلة والسيطرة الفعلية، ومنع الإفلات من الملاحقة عبر توزيع الأموال على شركات أو استثمارات أو أسماء متعددة.
وتتطلب المعالجة، بحسب موسى، توسيع الرقابة القائمة على المخاطر لتشمل القطاعات غير المالية، ولا سيما العقارات والمعادن الثمينة والأنشطة التجارية، مع التمييز بين الاشتباه وثبوت المخالفة. ويستدعي ذلك ربط السجلات التجارية والعقارية والضريبية والبيانات المالية المتاحة قانوناً، والتحقق من دقتها وتحديثها، بما يتيح تتبع حركة الأموال بين الشركات والأشخاص، وتعزيز التعاون القضائي الدولي لكشف الأصول المنقولة إلى الخارج واستردادها وفقاً للقانون.
وبحسب موسى، يظهر الاختبار الأساسي لقياس النتائج الفعلية من خلال متابعة عدد التحقيقات والملاحقات والأحكام النهائية، وقيمة الأصول المجمدة والمصادرة والمستردة، ومدى دقة بيانات المستفيدين الحقيقيين. ويتطلب ذلك نشر مؤشرات دورية واضحة تتيح تقييم التنفيذ ومساءلة الجهات المعنية، مع ضمان عدم استخدام القانون بصورة انتقائية أو الإضرار بالأنشطة الاقتصادية المشروعة.





