لم تعد الهجرة بالنسبة إلى بعض الشباب اللبنانيين تعني بالضرورة ركوب الطائرة ومغادرة البلاد. فثمة فئة آخذة في الظهور اختارت مساراً مختلفاً، يقوم على البقاء في لبنان أو العودة إلى القرية والمدينة الصغيرة، مع مواصلة العمل لحساب شركات ومؤسسات خارج الحدود.
وتضم هذه الفئة موظفين عن بُعد، ومستقلين، ومبرمجين، ومصممين، ومسؤولي تسويق ومشاريع، يتقاضى بعضهم أجوره بالدولار أو بعملات أجنبية. وبينما يرتبط اسم «الرحالة الرقميين» عادةً بأشخاص ينتقلون بين البلدان حاملين حواسيبهم، يتخذ النموذج اللبناني شكلاً أكثر استقراراً؛ إذ يعود «الرحالة الرقميون» إلى الأماكن التي غادروها، ويعملون من منزل العائلة أو من مكتب صغير في بلدة بعيدة عن بيروت.
ولا تتوافر حتى الآن أرقام رسمية تحدد حجم هذه الفئة أو عدد اللبنانيين الذين عادوا إلى قراهم بفضل العمل عن بُعد. إلا أن مؤشرات عدة تظهر أن الظاهرة ليست معزولة. فقد شهد لبنان خلال سنوات الأزمة حركة عودة من المدن إلى المناطق الريفية، وقدّرت أرقام عدد العائدين من المدن إلى القرى بين 55 ألفاً و77 ألف شخص.
ولم يكن جميع هؤلاء من العاملين عن بُعد، إذ ارتبطت عودة كثيرين بفقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، غير أن العمل الرقمي أضاف سبباً جديداً يجعل العودة خياراً ممكناً، لا مجرد اضطرار مؤقت.
من الهروب من بيروت إلى استعادة القرية
لطالما مثّلت بيروت لأجيال لبنانية متعاقبة مركز العمل والتعليم والخدمات. وكان الانتقال إليها شرطاً شبه ضروري للحصول على وظيفة جيدة، أو بناء شبكة مهنية، أو الوصول إلى الجامعات والمستشفيات والمؤسسات. أما اليوم، فقد بدأ العمل عن بُعد في تفكيك هذه المعادلة، ولو على نطاق محدود.
فالموظف الذي يتقاضى راتبه من شركة في أوروبا أو الخليج أو أميركا الشمالية، لا يحتاج بالضرورة إلى استئجار شقة في بيروت أو تحمل كلفة نقل مرتفعة يومياً. وبالنسبة إلى من يملك منزلاً عائلياً في الجنوب أو الشمال أو البقاع أو جبل لبنان، تصبح العودة إلى القرية وسيلة لتقليص النفقات، واستعادة علاقة انقطعت مع المكان، والعيش قرب الأهل.
لكن المسألة لا تقتصر على الحسابات المالية. فبعض هؤلاء الشباب لا يعودون إلى قراهم بحثاً عن حياة أقل كلفة فحسب، بل رغبة في نمط حياة أكثر هدوءاً وأقل استنزافاً. ويتيح العمل من المنزل لهم تناول الغداء مع العائلة، والمشاركة في مناسبات البلدة، واستعادة علاقات اجتماعية تراجعت خلال سنوات الإقامة في العاصمة أو الاغتراب.
وهنا تختلف «الهجرة العكسية الرقمية» عن العودة التقليدية. فالعائد لا يعود بالضرورة إلى العمل في الزراعة أو في متجر العائلة، ولا يرجع خالي الوفاض بعد خسارة وظيفته؛ بل يحمل معه دخلاً خارجياً ومهارات مهنية وشبكة علاقات عالمية، ويضعها داخل اقتصاد محلي صغير. وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات المالية الآتية من الخارج، يمكن لدخل العاملين عن بُعد أن يشبه في أثره تحويلات الاغتراب.
الكهرباء كشرط للبقاء
المفارقة أن العمل عن بُعد يمنح الشاب فرصة للبقاء في لبنان، لكنه يضعه في مواجهة مباشرة مع أزمات الخدمات التي كانت سبباً أساسياً في دفع كثيرين إلى الهجرة. فالوظيفة العالمية لا تنتظر عودة الكهرباء، ولا تتسامح دائماً مع انقطاع الإنترنت، ولا تميّز بين اجتماع مهني في بيروت وآخر في قرية جبلية.
وقد يجد العامل نفسه مضطراً إلى تركيب نظام طاقة شمسية، والاشتراك بأكثر من مزود للإنترنت، والاحتفاظ ببطاريات إضافية، والانتقال أحياناً إلى مكان آخر بحثاً عن اتصال مستقر.
وتظهر بيانات البنك الدولي أن نحو 81 في المئة من السكان استخدموا الإنترنت في لبنان عام 2024، لكن نسبة الاستخدام لا تعني بالضرورة جودة الاتصال أو استقراره أو قدرته على تلبية متطلبات العمل الاحترافي. وفي هذا السياق، تؤكد دراسات أن ضعف الإنترنت، وصعوبة الوصول إلى منصات الدفع العالمية، وارتفاع كلفة المعاملات، لا تزال من أبرز العوائق أمام العاملين المستقلين والمتصلين بسوق العمل الخارجية.
لذلك، لا يكفي أن يمتلك الشاب حاسوباً ومهارة مطلوبة، فهو يحتاج أيضاً إلى كهرباء مستمرة، واتصال موثوق، وطريقة آمنة لتلقي أجره، ونظام قانوني واضح يحدد وضعه الضريبي والمهني. وفي غياب هذه الشروط، يتحول العمل عن بُعد إلى سباق يومي مع الأعطال، لا إلى بديل مستقر للهجرة.
وعليه، تملك الهجرة العكسية الرقمية فرصة حقيقية لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي خارج بيروت، لكنها لن تتحول إلى اتجاه واسع من تلقاء نفسها من دون الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والكهربائية، وتحسين خدمات الدفع والتحويل، وتوفير مساحات عمل في المناطق، وتبسيط الإجراءات أمام المستقلين والشركات الناشئة، وربط الجامعات والبلديات ببرامج تدريب مهني حديثة.





