spot_imgspot_img

Top 5 This Week

spot_img

Related Posts

حين عادت السكة لتروي حكاية لبنان… «Chemin du Vin» يحتفي بالنبيذ في قلب بعبدا

في محطة قطار بعبدا، حيث توقفت القطارات وبقيت الحكايات، عاد المكان ليشهد حركة مختلفة تماماً. على مدى يومين، استقبلت المحطة التاريخية النسخة الأولى من «Chemin du Vin»، في احتفالية لبنانية جمعت النبيذ بالأرض والتراث والفن، واستقطبت حضوراً كبيراً وشخصيات رسمية وثقافية وإعلامية، إلى جانب نخبة من صانعي النبيذ والمنتجين والضيوف.
كان المشهد في حدّ ذاته جزءاً من الحكاية: محطة تحمل ذاكرة لبنان، وأرض تنتج النبيذ، وناس اجتمعوا حول منتج لبناني يحمل في كل زجاجة قصة مكان وعمل وإنسان. ومن هنا جاءت هوية «Chemin du Vin»، الذي أطلقته مهرجانات بعبدا الدولية برئاسة نادين نعمة، ليقدّم النبيذ اللبناني في فضاء مختلف، ويعيد وصل الذاكرة بالحاضر من خلال الثقافة والسياحة والإنتاج.
وفي افتتاح الحدث، تولت الإعلامية ريتا منصور تقديم الحفل، في مناسبة أرادت من خلالها أن تعيد إلى المكان حضوره كمساحة للقاء. واستحضرت في كلمتها تاريخ محطة بعبدا، مؤكدة أن التراث اللبناني لا يختصر في الماضي، بل يمكن أن يصبح نقطة انطلاق لتجارب جديدة تعيد الحياة إلى الأماكن وتحوّلها إلى مواعيد تجمع الناس حول الثقافة والفن والمنتج اللبناني.
أما نادين نعمة، رئيسة مهرجانات بعبدا الدولية، فاختارت أن تبدأ من بعبدا نفسها، المدينة التي تحمل في تاريخها الكثير من الرمزية، لترفع نخب النبيذ اللبناني والتاريخ والذاكرة والثقافة. وأكّدت أن اختيار المحطة لإطلاق «Chemin du Vin» جاء انطلاقاً من رمزيتها، فالقطار كان يوماً وسيلة تصل اللبنانيين بمحيطهم، وتحمل معهم قصصهم وذكرياتهم من محطة إلى أخرى.

ومن هذه الفكرة، أرادت نعمة أن تمنح السكة رحلة جديدة، تجعل من المحطة نقطة التقاء بين الثقافة والسياحة والإنتاج اللبناني، وتحوّل المهرجان إلى بداية لمسار يمكن أن يتوسع في السنوات المقبلة ليصل إلى مختلف بلدات قضاء بعبدا، من خلال مبادرات تعيد إحياء الفن والتراث والثقافة والإنسان.
وحضر النبيذ اللبناني في الحدث بوصفه أكثر من منتج. رئيسة الاتحاد اللبناني للكرمة والنبيذ ميشلين توما شدّدت على أن كل زجاجة تختزن خلفها أرضاً ومزارعاً وعائلة وجهداً متراكماً، وأن الاحتفال بالنبيذ هو في جوهره احتفال بالناس الذين ما زالوا يعملون في الأرض ويحافظون على هذه المهنة رغم الظروف.
وأكّدت توما أهمية أن تتحول إقامة المهرجان في بعبدا إلى خطوة تعزز حضور النبيذ اللبناني على الخريطة السياحية والنبيذية في لبنان، مشيرة إلى أن دعم القطاع لا يبدأ وينتهي عند شراء الزجاجة، بل يطال المزارع والمنتج والعامل والعائلات التي تعتمد على هذا القطاع، وصولاً إلى المستهلك اللبناني والمغترب الذي يستطيع أن يكون سفيراً للمنتج اللبناني في العالم.
ومن موقع المحطة نفسها، جاءت كلمة المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا لتضيف بعداً آخر إلى المشهد، مع تأكيده أهمية فتح المواقع التاريخية أمام النشاطات التي تحتفي بالمنتج اللبناني، والإشارة إلى العمل على مسار إعادة القطار إلى السكة، ولا سيما باتجاه الشمال وطرابلس ومرفأ طرابلس.
أما ممثل وزير الزراعة الدكتور نزار هاني والمدير العام للزراعة المهندس ميشال لحود، السيد فادي غانم، فربط بين تاريخ المكان والطريق الذي يمكن أن يسلكه المنتج اللبناني نحو الأسواق العالمية. وأكد أن النبيذ يبدأ من الأرض، من التربة والمناخ والكرمة، وأن جودته هي نتيجة سلسلة متكاملة من المعرفة والعمل تبدأ في الحقل ولا تنتهي عند الزجاجة.

وتوقف غانم عند تنوع الارتفاعات والتربة والمناخات في لبنان، وما يمنحه ذلك من خصوصية للكرمة اللبنانية، مشدداً على أهمية الجودة والهوية وحماية المنشأ والتتبع، وعلى ضرورة بناء علاقة أكثر تكاملاً بين المزارع والمنتج والبحث العلمي والسوق.
كما أشار إلى أن قطاع النبيذ هو شبكة اقتصادية واسعة تضم المزارعين والعمال والمهندسين والخبراء والمصانع والنقل والتسويق والمطاعم والفنادق والسياحة الريفية، وأن اختيار النبيذ اللبناني يعني عملياً دعم هذه السلسلة بأكملها والحفاظ على الأرض منتجة وعلى الإنسان مرتبطاً بها.
وفي مكان توقفت فيه القطارات، بدت الرسالة واضحة: قد لا يغادر القطار محطة بعبدا اليوم، لكن المنتج اللبناني يستطيع أن يسلك طريقه إلى العالم. العنب اللبناني، والنبيذ اللبناني، والجودة اللبنانية، كلها قادرة على عبور الحدود إذا حملت معها الهوية والثقة والقصة.
ولم يقتصر «Chemin du Vin» على الجانب الثقافي والاقتصادي، بل عاش الحضور على مدى يومين أجواء احتفالية جمعت النبيذ بالطعام والموسيقى. واحتضنت المحطة مجموعة من مصانع النبيذ والمنتجين اللبنانيين، إلى جانب أجنحة متنوعة من المأكولات والمنتجات، فيما أحيا التينور جوني عواد الليلة الأولى، تلاهDJ Rony ، بينما شارك الفنان روني رفول في إحياء الليلة الثانية وDJ Rony ، ليكتمل المشهد بين الضيافة والفن والنبيذ في موقع استثنائي.
وكان حضور المنتجين اللبنانيين جزءاً أساسياً من نجاح التجربة، إلى جانب الجهات الرسمية والشركاء والداعمين والإعلام والمتطوعين الذين ساهموا في إنجاح الحدث وفي إعادة تقديم محطة بعبدا بصورة تليق بتاريخها.
وفي لفتة وفاء، استُذكرت خلال المناسبة مسيرة الراحل أكرم نقولا قساطلي، أحد كبار مؤسسي ومنتجي قطاع النبيذ اللبناني، في تحية لمن ساهموا في بناء هذا القطاع وترسيخ حضوره.

ومع إسدال الستارة على النسخة الأولى من «Chemin du Vin»، بقيت الصورة الأبرز من بعبدا: مكان كان يوماً محطة عبور، عادَ ليكون محطة لقاء؛ ونبيذ بدأ من الأرض ليصل إلى الناس؛ وذاكرة تحولت إلى حياة.
كانت البداية من بعبدا، لكن الرحلة، كما أرادها منظمو «Chemin du Vin»، يمكن أن تكون أطول من محطة واحدة.
من السكة القديمة، بدأت حكاية جديدة للنبيذ اللبناني.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Popular Articles