من يراقب أدبيات «حزب الله» وخطابه السياسي منذ الثاني من آذار الماضي، يلاحظ أن السؤال لم يعد يتمحور حول ما إذا كان سيرد على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار، بل بات يتعلق بقدرته على الرد، وشكله، والسقف الذي يمكن أن يقف عنده.
وتشير المؤشرات السياسية الصادرة عن الحزب إلى أن خيار الرد لا يزال حاضرًا في حساباته، فيما تضعه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة أمام معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على صورة القوة والردع من دون منح إسرائيل ذريعة قد تحتاج إليها لتوسيع الحرب. وهنا تكمن عقدة القرار.
وفي حال حصول الرد، فإنه لن يكون عملية عسكرية منفصلة عن سياقها السياسي، إذ إن توقيته ومكانه وطبيعته والرسالة التي يراد إيصالها ستكون جزءًا من حسابات أوسع، لا سيما في ظل الوضع اللبناني الهش، واستمرار المسار التفاوضي، والغموض المحيط بالعلاقات الأميركية ـ الإيرانية.
ووفق المعطيات المتداولة في أوساط قريبة من «الحزب»، تدخل مجموعة من العوامل في حساباته. أولها الوضع الداخلي لبيئته الشعبية، التي دفعت ثمنًا كبيرًا خلال الحروب الأخيرة، من نزوح ودمار وخسائر بشرية ومادية. ورغم أن هذه البيئة لا تزال تمثل ركيزة أساسية للحزب، فإنها ليست بالضرورة مستعدة لتحمل حرب جديدة بالشروط نفسها.
أما العامل الثاني، فيتعلق بالحسابات الإسرائيلية. فالتصعيد المتواصل قد لا يستهدف تحقيق مكاسب عسكرية فحسب، بل قد يرتبط أيضًا بحسابات سياسية داخلية. ومن هذا المنظور، فإن أي رد غير محسوب من الحزب قد يمنح إسرائيل مبررًا للانتقال من الضربات المحدودة إلى عملية عسكرية أوسع.
ويتمثل العامل الثالث في المسار الأميركي ـ الإيراني، وهو العامل الأهم الذي يدفع قيادة «حزب الله» إلى عدم الرد. فالتعليمات التي تصله عادة من طهران تأخذ في الاعتبار النتائج التي يمكن أن تفضي إليها المفاوضات، كما أن طهران تعرف كيفية استثمار الوقت سياسيًا وعسكريًا في لبنان عبر «حارة حريك».
ولبنان لا يعيش في جزيرة معزولة عن التطورات الإقليمية، وهو ما يدركه «حزب الله» جيدًا. فأي تفاهم أميركي ـ إيراني، أو أي انهيار لهذا المسار، ستكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الساحة اللبنانية، من خلال تدخل مباشر من جانب «الحزب» في الحرب مع إسرائيل، وهو ما تسميه «حارة حريك» «التوقيت المناسب».
وإذا نجحت الاتصالات في التوصل إلى تسوية، فقد يدخل الملف اللبناني في إطار ترتيبات إقليمية أوسع. أما إذا عادت المواجهة الكبرى إلى المنطقة، فقد تتغير قواعد اللعبة برمتها، ويصبح الجنوب جزءًا من توازنات جديدة لا يمكن فصلها عن الصراع الإقليمي.
غير أن هناك عاملًا آخر لا ينبغي إغفاله، يتمثل في الدولة اللبنانية نفسها. فحتى إذا قرر «حزب الله» عدم الرد في هذه المرحلة، فإن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولياتها. فالحكومة مطالبة باستخدام القنوات الدبلوماسية والسياسية المتاحة للضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتمسك بالاتفاقات والقرارات الدولية، والاستفادة من الوساطة الأميركية والدولية لتثبيت وقف إطلاق النار. وهنا تظهر المفارقة.
فالدولة تريد حصر قرار الحرب والسلم في مؤسساتها الشرعية، بينما يرى «الحزب» أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يفرض عليه الاحتفاظ بقدرته على الردع.
وبين هذين الموقفين، يتحول الجنوب إلى ساحة اختبار فعلية لمستقبل الدولة اللبنانية.
فهل تستطيع الدولة إثبات قدرتها على حماية مواطنيها وأرضها عبر الدبلوماسية والجيش والمؤسسات الشرعية؟ وإذا لم تتمكن من ذلك، فهل سيعتبر «الحزب» أن الاحتفاظ بخيار الرد يظل ضرورة؟ هذه الأسئلة ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
ولعل الأخطر أن يتحول التصعيد المتبادل إلى آلية تلقائية؛ إذ إن أي اعتداء إسرائيلي واسع قد يستدعي ردًا، والرد قد يستدعي ضربة أكبر، لتجد الأطراف نفسها أمام حرب لم يكن أي منها يريدها في البداية.
ومن هنا، قد يكون تأخير الرد، إذا كان هذا هو الخيار المتخذ فعلًا، جزءًا من استراتيجية أوسع وليس علامة ضعف، وفق ما عبّر عنه أكثر من مسؤول حزبي. إلا أن التأجيل لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
فالردع الذي لا يُستخدم أبدًا يفقد جزءًا من مفعوله، كما أن الرد الذي يأتي في التوقيت الخطأ قد تكون كلفته أكبر من فائدته. لذلك يجد «حزب الله» نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يثبت أن صمته ليس عجزًا، من دون أن يحول كسر الصمت إلى شرارة حرب جديدة؟
أما لبنان، فهو أمام معادلة أكثر صعوبة: كيف يمنع إسرائيل من فرض قواعد جديدة بالنار، وفي الوقت نفسه يحول دون عودة الجنوب إلى ساحة مفتوحة للمواجهة؟
ووفق القراءات الدبلوماسية، لا يبدو أن القرار المقبل سيكون عسكريًا فقط، بل سيكون قرارًا سياسيًا بامتياز، لأن أي رد أو عدم رد سيؤثر في موقع «الحزب» داخل لبنان، وفي علاقته بالدولة، وفي مستقبل التفاوض مع إسرائيل، وربما في موقع لبنان كله ضمن التسويات الإقليمية المقبلة.
وعليه، قد لا تكون المسألة مرتبطة بسؤال «متى يرد حزب الله؟» بقدر ما تتعلق بقدرته لبنان على منع الرد والرد المضاد من تحويل الجنوب مجددًا إلى ساحة حرب. وهذه الإشكالية تفتح الباب أمام البحث في العلاقة المعلّقة بين «بعبدا» و«حارة حريك».





