بدعة “النماذج الجاهزة”… هكذا تُدار العدالة في جبل لبنان!

تتعالى في الآونة الأخيرة صرخات المحامين داخل أروقة العدلية اعتراضاً على النهج المعتمد في النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان برئاسة القاضي سامي صادر، ولا سيما في ما يتعلق بالاستئناف شبه المنهجي لعدد كبير من القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق، وفي مقدمها قرارات إخلاء السبيل.
لا خلاف على أن للنيابة العامة حقاً قانونياً ثابتاً في استئناف القرارات التي ترى أنها تخالف القانون أو تضر بالمصلحة العامة، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى ممارسة شبه تلقائية تطال معظم القرارات، من دون تعليل قانوني واضح يبرر أسباب الطعن بها.
ويؤكد عدد من المحامين أن قسماً كبيراً من طلبات الاستئناف لا يتضمن تعليلاً جدياً يوضح مكامن الخطأ في القرار المستأنف، بل يأتي أحياناً في نماذج جاهزة يتم فيها تبديل أسماء الأطراف وأرقام الملفات فقط، من دون أي دراسة ظاهرة لخصوصية كل ملف أو لظروفه القانونية والواقعية.
فالتعليل ليس تفصيلاً إجرائياً ولا إجراءً شكلياً، بل هو أحد أهم ضمانات العدالة وحق الدفاع، لأنه يتيح للمتقاضين وللمراجع القضائية الأعلى معرفة الأسباب القانونية التي دفعت النيابة العامة إلى الطعن بالقرار. أما الاكتفاء باستئناف عام ومقتضب لا يبيّن أسبابه الفعلية، فيفرغ حق الاستئناف من مضمونه القانوني ويجعله أقرب إلى إجراء روتيني منه إلى وسيلة رقابة قضائية حقيقية.
وتبلغ الإشكالية ذروتها عند الحديث عن اعتماد نماذج جاهزة للاستئناف، حيث تُملأ الخانات الأساسية ثم يُقدَّم الاستئناف بصورة شبه آلية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تُقيَّد حرية إنسان أو يُمدَّد توقيفه استناداً إلى نماذج متشابهة لا تشرح أين أخطأ قاضي التحقيق ولا تبرر قانوناً أسباب الاعتراض على قراره؟
ولا يقتصر الأمر على مسألة الاستئناف بحد ذاتها، بل يمتد إلى موقع قاضي التحقيق داخل المنظومة القضائية. فالقاضي الذي يمضي أسابيع أو أشهر في دراسة الملف، ويستمع إلى المدعى عليهم والشهود ويطّلع على المستندات، يفترض أن يكون قراره ثمرة اقتناع قضائي مبني على معطيات الملف. وعندما تتحول استئنافات النيابة العامة إلى ممارسة شبه تلقائية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت قرارات قاضي التحقيق لا تزال تتمتع بقيمتها الفعلية أم أنها باتت مجرد محطة إجرائية عابرة.
والأكثر إثارة للجدل، بحسب مصادر قانونية، أن بعض قرارات إخلاء السبيل يجري استئنافها حتى بعد إسقاط الحق الشخصي من قبل الجهة المدعية، وبعد اقتناع قاضي التحقيق بأن شروط التوقيف لم تعد متوافرة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح السؤال مشروعاً: ما هي المصلحة القانونية التي تبرر استمرار التوقيف؟ وما هي الأسباب الاستثنائية التي تستدعي الطعن بقرار قاضي التحقيق؟
فالتوقيف الاحتياطي في القانون اللبناني ليس عقوبة مسبقة، بل تدبير استثنائي تفرضه ضرورات التحقيق. والأصل أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته بحكم مبرم، وأن الحرية هي القاعدة والتوقيف هو الاستثناء. لذلك فإن أي قرار بالإبقاء على التوقيف أو الاعتراض على إخلاء السبيل يفترض أن يكون مستنداً إلى أسباب قانونية دقيقة ومعللة، لا إلى مقاربة عامة أو نماذج موحدة.
كما أن الحرية الشخصية ليست امتيازاً يمنحه القضاء متى شاء ويسحبه متى شاء، بل هي حق دستوري تحميه القوانين اللبنانية والمواثيق الدولية التي التزم بها لبنان. ولذلك فإن أي قرار يؤدي إلى تقييد حرية الفرد أو تمديد توقيفه يفترض أن يكون استثنائياً ومعللاً بصورة واضحة ومفصلة، لا أن يستند إلى مقاربات عامة أو صيغ متشابهة لا تراعي خصوصية كل ملف.
ويعتبر عدد من القانونيين أن التعليل ليس مجرد عنصر شكلي في القرار القضائي، بل هو الضمانة الأساسية التي تسمح بمراقبة حسن تطبيق القانون. فحين يغيب التعليل أو يصبح مقتضباً إلى حد لا يكشف الأساس القانوني للقرار، تنتفي إمكانية الرقابة الفعلية وتتراجع الثقة بالأداء القضائي، خصوصاً عندما يكون الأمر متعلقاً بحرية أشخاص ما زالوا يتمتعون بقرينة البراءة.
وفي هذا السياق، يستعيد عدد من القضاة والمحامين مقولة قضائية شهيرة تختصر فلسفة العدالة الجزائية: “شجاعة القاضي لا تظهر في التوقيف بل في إخلاء السبيل”. فالتوقيف لا يحتاج إلى جرأة بقدر ما يحتاج إخلاء السبيل إلى قاضٍ يطبق القانون بعيداً من الضغوط والانطباعات المسبقة.
ما يجري اليوم يطرح سؤالاً أكبر من مجرد ملف أو قرار. هل تحولت قرارات قضاة التحقيق إلى مجرد محطة شكلية بانتظار الاستئناف؟ وهل باتت النماذج الجاهزة تحل محل التعليل القانوني الواجب في ملفات تمس حرية الناس وحقوقهم الأساسية؟
فالعدالة لا تُبنى بالنماذج الجاهزة، ولا تُقاس بعدد الموقوفين أو بعدد الاستئنافات المقدمة. تبدأ العدالة عندما يكون لكل قرار أسبابه، ولكل ملف خصوصيته، ولكل إنسان حقه بمحاكمة عادلة لا تُدار عبر خانات تُملأ وأسماء تُستبدل. وفي غياب ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما زال الاستئناف وسيلة قانونية استثنائية هدفها تصويب الأخطاء القضائية، أم أنه تحول إلى إجراء آلي يفرغ قرارات قضاة التحقيق من مضمونها ويهدد أحد أقدس الحقوق التي يحميها القانون، أي الحرية الشخصية؟



