كتب نقولا أبو فيصل “حين ينتصر الإنسان في الدبلوماسية”

الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بصلابة الشخصية ولا ببريق البروتوكولات، بل بعمق الإحساس بالناس. وهذا ما جسّده القنصل اللبناني في أوتاوا، الأستاذ علي الديراني، حين لم يتعامل مع قاصده ابن شمسطار كملفٍ إداري عابر بل كوجع إنسانٍ يستحق احتضانه. وفي مبادرةٍ نابعة من ضميره سارع إلى تأمين مبلغ مالي من حسابه الخاص لمساعدته على العودة إلى ربوع الوطن بعدما عجز عن التأقلم مع قساوة الطقس في كندا. عندها، لم يكن القنصل يؤدي واجبًا وظيفيًا فحسب، بل كان يعيد تعريف معنى الانتماء للوطن، يعني أن تحمل همّ أبنائه وأن تكون سندًا لهم حين تضيق بهم السبل .
هذه القصة،في جوهرها ليست مجرد موقف فردي، تتناقلها الناس في لبنان ، بل دعوة صريحة إلى بعض أعضاء البعثات الدبلوماسية اللبنانية في الخارج الى التواضع قليلاً !! . فوجودهم هناك لا يستمد شرعيته من الأبنية الرسمية أو الأختام، بل من الناس الذين يقصدونهم بقلوب مثقلة بالحاجة والرجاء. هؤلاء اللبنانيون المنتشرون في أصقاع الأرض هم الامتداد الحقيقي للوطن، ولولاهم لما كان لوجود أي بعثة معنى أو ضرورة. من هنا، تصبح الرحمة في التعامل، والمرونة في الاستجابة، والإنصات الصادق، ليست فضائل إضافية، بل جوهر العمل الدبلوماسي نفسه.
إن الدبلوماسية التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تكتفي بإدارة الملفات، بل تلك التي تلامس الإنسان في ضعفه قبل قوته. فكل لبناني في الخارج يحمل قصة تعب وحنينًا، وربما عجزًا عن تخطي ظرفٍ ما. وحين يجد في ممثل بلده يدًا تمتد إليه بصدق، يشعر أن الوطن لم يتركه، وأن المسافة الجغرافية لم تقطع خيط الانتماء. من هنا، يصبح ما فعله القنصل نموذجًا يُحتذى، لا لأنه استثنائي، بل لأنه يعيد الأمور إلى أصلها: أن خدمة الناس هي أسمى أشكال تمثيل الوطن .
نقولا أبو فيصل ✍️
www.nicolasaboufayssal.com
اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين
تجمع الصناعيين في البقاع Association of Bekaa IndustrialistsLebanese Presidency



