الصداقة… حين تمتحنها الشدائد / بقلم: منجد شريف

الصداقة كلمة كبيرة، لكنها ليست مجرد لفظ جميل نتبادله في أيام الرخاء. قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا في اللحظات الاستثنائية، حين تضيق الدنيا ويشتدّ الخطب، وعندها فقط تتكشف حقيقة الروابط بين الناس. ففي الأوقات العادية يبدو الجميع أصدقاء، لكن عند الشدّة يبدأ الغربال عمله، ويظهر المعدن الحقيقي لكل إنسان.
لقد علّمتني هذه المرحلة القاسية، بما تحمله من حربٍ وضيقٍ وتقلّبات، درسًا لم أكن أتصوّر أنني سأتعلمه بهذا الوضوح. سقط من قاموسي كثيرون كنت أضعهم في خانة الأصدقاء. ظننت يومًا أن بيننا ما يكفي من المودة والوفاء ليصمد في وجه الظروف، لكن المحكّ كشف أن ما جمعنا لم يكن أكثر من معرفة عابرة أو تقاطع مصالح. علاقات تقف عند حافة المنفعة، ولا تتجاوزها حين يحين وقت الموقف.
في المقابل، كشفت الشدائد وجوهًا أخرى لم تكن في الواجهة. أشخاص لم تكن العلاقة بهم وثيقة أو مميزة، بعضهم أقارب وبعضهم غرباء، لكنهم حين اشتدت الأيام كانوا أقرب الناس موقفًا وأصدقهم حضورًا. عندها أدركت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بسنوات المعرفة، بل بلحظة الصدق حين يحتاجك الزمن إلى جانب من تحب.
الحقيقة أن الأزمات ليست مجرد محن نمرّ بها، بل هي امتحان دقيق للعلاقات. إنها غربال قاسٍ يمرّ عبره الناس، فيسقط الكثيرون ويبقى القليل. وقد يكون هذا مؤلمًا في لحظته، لكنه يمنحنا في النهاية وضوحًا لا يقدَّر بثمن: وضوح في معرفة من يستحق مكانه في حياتنا، ومن كان حضوره مجرد ظلّ عابر.
ليس من العدل أن نسمّي كل من عرفناه صديقًا. فالصداقة ليست كلمة تُقال، بل موقف يُترجم حين تضيق الدروب. وقد صدق من قال: لا تسمِّ صاحبك صاحبًا حتى تجربه. فالكلام سهل، أما الوقوف إلى جانب الآخر في لحظة حاجته فهو الامتحان الحقيقي.
ولعلّ أكثر ما تعلّمته من هذه التجربة أن للزمن حكمته الخاصة. فهو لا يكشف الناس دفعة واحدة، بل يترك الأيام تقوم بهذه المهمة بهدوء. ومع تبدّل الظروف وتغيّر الأحوال، يعود كل إنسان ليقف في المكان الذي يستحقه، لا أكثر ولا أقل.
أما أنا، فلم أعتد يومًا أن ألجأ إلى أحد إلا لمن كانت بيننا أيادي معروف وودّ قديم. لكن هذه المرحلة علّمتني أن المعروف الحقيقي لا يُقاس بما قيل في الماضي، بل بما يُفعل حين يحين وقت الفعل.
هكذا تعلّمت أن الصداقة ليست وعدًا، بل امتحان. وأن الشدائد، رغم قسوتها، تمنحنا هدية نادرة: أن نرى الناس على حقيقتهم.
وحين تنقشع الغبرة، يبقى القليل… لكنهم وحدهم الذين يستحقون أن نطلق عليهم اسم الأصدقاء.



