كتب / الدكتور بول حامض.. أسباب الأزمات اللبنانية : عقـل سياسي إقطاعـي إقصائـي

لفتني كتاب وصل إليّ من صديق عنوانه ” الهجمية “، ومضمون هذا الكتاب الشيِّق “زمن علم بلا ثقافة” ، بالمضمون هو كتاب فلسفي عميق من تأليف الفيلسوف الفرنسي Michel Henry 1922-2002 ، وهذا الكتاب صدر باللغة العربية عن دار الساقي (La Barbarie ) والذي نشرَ في العام 1987. في هذا الكتاب يحذر الكاتب من مزاعم العلم الحديث والموضوعية معتبرًا أنّ التقدم التكنولوجي السريع يؤدي إلى إفقار الواقع وإنفصال العلم عن جذوره الثقافية مما يخلق نوعًا من “الهمجيّة الحديثة”… من هذا المنطلق حذّر الكتاب من إنفصال العلم عن جذوره الثقافية وتأثير ذلك على الإنسانية… قصدتُ في هذه المقالة تذكير القُرّاء الكرام ولفت نظرهم عمّا كتبه الكاتب الفرنسي بغية مقارنته مع واقع الساسة في لبنان .
أسباب الأزمات في لبنان مردها لعقل سياسي إقصائي إلغائي، ومنذ سنوات ونحن نعاني من هذا العقل المريض على كل المستويات السياسية الأمنية الإقتصادية الإجتماعية ، وإستمرارية هذا النهج سيرتِّبْ على سقوط ما تبقى من النظام السياسي اللبناني وزوال السلطة المركزية في ظل جمهورية مترامية الأطراف إستنادًا للأحداث التي حصلت والتي أفرزت الأنظمة التالية :
- نظام القائمقامية منذ العام 1840 ولغاية 1860 ؛
- نظام المتصرفية منذ العام 1860 ولغاية 1918 ؛
- نظام الإنتداب الفرنسي منذ العام 1920 ولغاية العام 1943 ؛
- النظام السياسي الحالي وثغراته والحروب التي رافقته ؛
نستنج من كل ذلك أننا محكومون من ساسة إقطاعيّون وبالتعاون مع أفراد وعائلات نافذة يُجمعون إستنادًا لمصالحهم بين مُلكية مؤسسات الدولة ( بما يعني إستباحتها ) حيث يستغلون نفوذهم السياسي والمهيمن لفرض سطوتهم السياسية والإجتماعية على كل المناطق اللبنانية ويستبيحون حرية التعبير عن طريق إلغاء النظام الديمقراطي عبر التجديد للوكالة المعطاة لهم من قبل الشعب علمًا أنّ هذه الوكالة غالبًا ما كانتْ مرفقة بقوانين إنتخابية أنْشِأتْ على قياس هذا الإقطاع السياسي القائم والتي يشوبها الخلل الوظيفي الشرعي .
لبنان وشعبه أمام عقل سياسي إقطاعي – إقصائي يسود الجمهورية اللبنانية ويقوم هذا النظام المسخ على علاقة مصالح وولاء متبادل بين الحاكمين خلافًا للنظام الديمقراطي ويسطون على مقدرات الشعب ويُرغمونه على تقديم الطاعة والولاء السياسي والعسكري والإقتصادي والإجتماعي وحشد الرأي العام المُضلّلْ عندما تدعو الحاجة ( حاجة الإقطاعيين والإقصائيين) والأمثلة كثيرة على هذه الأمور .
العقل السياسي الإقطاعي والإقصائي تحكمه طبقة سياسية كاذبة مُضلِّلة ذات مصالح خاصة في قمتها رؤساء أحزاب – نوّاب – وزراء – فعاليات … وتأتي طبقة رجال الدين الذين ليسوا مجرد رجال كنيسة أو مساجد بل قوة موالية للإقطاعيين وللإقصائيين ، وبصريح العبارة رجال الدين في لبنان يمتلكون المساحات الشاسعة من الأراضي يستغلّونها وفقًا لقوانين وضعوها تصب في مصالحهم وتعود كل خيراتها لهم وللساسة الإقطاعيين والإقصائيين . وللعبرة الإقطاع والإقصاء السياسي ورجال الدين لعبوا دور الجلاّد في ظل سلطتين زمنية وروحية .
الإقطاعية والإقصائية ورجال الدين لم يكونوا مجرد أسلوب لتنظيم العمل السياسي بل كانوا رؤية شاملة للوضع اللبناني تقوم على الولاء لرجال السياسة الإقطاعيين والإقصائيين ولرجال الدين حيث الولاء في وضع لبنان الحالي هو للزعيم الإقطاعي والإقصائي ولرجل الدين الموالي والساكت عن الحقوق … وهذا ما أدّى ويؤدي إلى تفكك الدولة وتفكك السلطة السياسية وضعف مراكز القرار .
لبنان وشعبه أمام حالة من الإقطاع والإقصاء والتوريث السياسي وهم ظاهـرة مترابطة في التاريخ السياسي اللبناني حيث نلاحظ أنّ الإقطاع السياسي والإقصاء يسيطران على كل مراكز القرار والنفوذ في الدولة ، إضافةً إلى توريث سياسي ينقل السلطة والنفوذ داخل العائلات حصرًا . ومن المؤسف في الحالة السياسية الراهنة تشبيه العمل السياسي إضافةً للإنتخابات البرلمانية بأنها طرق مُعبّدة لتصدير الوريث للواجهة السياسية وإن كان هذا الوريث ” طشًّا في السياسة والفكر والأداء والعلم والعمل …”
أسباب الأزمات اللبنانية : عقل سياسي إقطاعي إقصائي ، إنّ ما يشكو منه الرأي العام اللبناني المتمدِّن والحر تمسُّكْ رجال السياسة والدين بالمناصب السياسية والدينية بوصفها حقًا مقتطعًا لهم أمام إمتيازات دينية – حزبية – إجتماعية – طائفية – مذهبية في ظل الذهنية الإقطاعية الإقصائية السياسية. قانونًا لا دولة في ظل سيادة نموذج الإقطاع والإقصاء السياسي والديني سواء أكان المالك لهذا الإقطاع رجال علمانيون أو رجال دين ، وما لم تتحرر الإرادة اللبنانية بكل مكوناتها الطائفية والمذهبية من عقلية وثقافة ومناهج الإقطاع والإقصاء في بنيانها وإدراتها فلا يمكن لها أن تكون مجموعة وطنية متحررة تمثل أمّة لبنانية تتكامل بأنظمتها السياسية – العسكرية – الإجتماعية – الإقتصادية – الإجتماعية … هل من يقرأ هذه المقالة ويُشاركنا في العمل المضني للقضاء على الإقطاع والإقصاء في لبنان ؟
الدكتور بول الحامض ( رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني )



