سياسة

غسان سكاف… حين يرحل الذين يشبهون المعنى

Spread the love

لم يكن غسان سكاف عابرًا في الحياة، ولا طارئًا على المعنى.
كان من أولئك الذين يُشبهون ما يفعلون، ويُصدّقون ما يقولون، ويتركون أثرهم هادئًا وعميقًا، كالأعمال التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُثبت حضورها.

رحل غسان سكاف، فرحل معه شيء من الطمأنينة، وشيء من الثقة بأن في هذا البلد رجالًا يملكون العلم والضمير معًا.

هو الطبيب الذي لم يرَ في الجراحة مهنة، بل رسالة.
والأستاذ الذي لم يتعامل مع المعرفة كامتياز، بل كمسؤولية.
والنائب الذي دخل السياسة متأخرًا، لا بحثًا عن سلطة، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعلاج والأمل.

من مدرجات الجامعة اليسوعية في بيروت إلى كبريات الجامعات والمستشفيات في لوس أنجلوس، كليفلند، تورنتو، ومن ثم إلى الجامعة الأميركية في بيروت، شقّ غسان سكاف طريقه بثبات العالم، وهدوء الواثق، وقلق الباحث الدائم عن الأفضل.
حاز البورد الأميركي والزمالة الملكية الكندية، لكنّه عاد إلى لبنان لا ليتباهى، بل ليبني.

في غرف العمليات، كان الزمن يتوقف عند يديه.
أنقذ حياة الآلاف، وواجه المستحيل ببرودة أعصاب الجراح، ودفء قلب الإنسان.
كان رائدًا في إدخال تقنيات جراحية غير مسبوقة إلى لبنان:
أول جراحة بالمنظار للعمود الفقري، أول زرع ديسك اصطناعي في العنق في الشرق الأوسط، وعمليات بالغة الدقة أعادت الحياة لأجساد أنهكها المرض.

لكن ما ميّزه حقًا، لم يكن فقط من أجرى لهم عمليات ناجحة، بل لمن أجرى.
كان مع الفقراء كما مع كبار المسؤولين، مع المجهول كما مع المعروف، بلا تمييز، بلا استعراض.
الطب عنده عدالة، والشفاء حق.

وحين ضاق عليه الطب وحده بحمل وجع الناس، دخل الشأن العام.
لم يبدّل جلده، ولم يتخلَّ عن لغته الهادئة، ولم يساوم على قناعاته.
دخل الندوة البرلمانية في 2022، لا ليكون رقمًا، بل صوتًا، وحاول أن يُبقي السياسة قريبة من الإنسان، لا فوقه.

كان غنيًا بعلاقاته، أوسع منها صدرًا، وأغناها أخلاقًا.
مثقفًا بلا ادّعاء، وطنيًا بلا شعارات، صلبًا بلا قسوة.
جمع بين العلم والالتزام، بين الحداثة والجذور، بين الجرأة والمسؤولية.

في حياته، لم يترك لحظة تذهب هدرًا.
وفي رحيله، ترك فراغًا لا يُملأ بسهولة.

غسان سكاف لم يمت.
الذين يموتون حقًا هم أولئك الذين لم يتركوا أثرًا.
أما هو، فقد ترك علمًا يُدرَّس، ومرضى يذكرون، وطلابًا يشهدون، وسيرةً ستبقى مرجعًا لكل من آمن بأن الإنسان هو القيمة العليا.

رحل الجراح…
وبقيت اليد التي أنقذت،
والفكرة التي أنارت،
والسيرة التي تُشبه الحياة حين تُعاش بصدق.

رحم الله غسان سكاف

محمد الحاجم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى