بين 17 أيار وهدنة 49: بول الحامض في قراءة لبنانية متأخرة

حوار: مريم بيضون
في زمن تبدو فيه الخيارات مستحيلة، والوقائع مستعصية على التغيير، يخرج من بين ركام المألوف من يعيد فتح ملفات ظنّ البعض أنها انتهت، أو تم دفنها إلى غير رجعة. الدكتور بول الحامض، الناشط السياسي والتنموي، قرر أن يقول ما لا يجرؤ كثر على التصريح به.
في مقابلة مباشرة، لم يتوانَ الحامض عن وصف اتفاق 17 أيار 1983، محاولة “مراجعة سياسية متأخرة”، تتقاطع مع لحظة لبنانية ملبدة بالهزيمة، وشعور بالخسارة المديدة. لم ينفِ الحامض أن في الطرح أيضاً شيئاً من اليأس، مقارنة بما وصفه بـ”البدائل الأخطر المطروحة اليوم”.
ولكن ما هو البديل، إن لم يكن خراباً كاملاً؟
يذهب الرجل أبعد من التوصيف. يعيدنا إلى هدنة 1949 بين لبنان وإسرائيل، بوصفها “الفرصة الوحيدة التي خسرناها”، والتي – لو طُبّقت – كانت قد جنّبت لبنان ثلاثة أرباع الدمار الذي شهده منذ عام 1983 وحتى اليوم. يسرد بالوقائع: لبنان ما بعد اجتياح 1982 لم يعرف استقراراً، بل المزيد من الانهيار، الفساد، والدم. بل أكثر: يقول إن لبنان خسر “مليارات الدولارات” ليس فقط نتيجة الحروب، بل نتيجة منظومة الفساد التي تمددت على مدى أربعة عقود، ولم يعد بالإمكان السيطرة عليها.
من الهدنة، ينتقل الحديث إلى الثابت المتحول في السياسة اللبنانية: سلاح حزب الله. بواقعية لافتة، يعترف الحامض بأن الحزب شريك في السلطة، شريك في انتخاب رئيس الجمهورية، وفي تأليف الحكومة، وبالتالي فإن مقاربة سلاحه لا يمكن أن تستمر بمنطق الإقصاء أو الكيد. يدعو إلى طاولة حوار حقيقية، ولكن لا تشبه تلك التي كانت تُعقد للترضية. الحوار، هذه المرة، يجب أن يشمل بنداً أساسياً: نزع السلاح، ولكن بالاتفاق، لا بالمواجهة.
يقولها بوضوح: “أي مواجهة عسكرية داخلية ستؤدي إلى تفكك الجيش، وانقسامه على أسس طائفية، كما حصل في 1976″. أما موقف قائد الجيش الذي أعلن رفضه الانخراط في معركة داخلية، فقد وصفه بـ”الوطني والشجاع”.
وحين سُئل عن مشروع “الخمس كيلومترات جنوباً” الذي يُروّج له كمنطقة اقتصادية، أجاب الحامض بنبرة شك وتحذير: “من يتحدث عن منطقة اقتصادية لا يخفي نية التهجير المقنّع. لكن أحداً لن يستطيع تهجير شيعة الجنوب”. يربط المسألة بتاريخ متجذر من الصراع منذ ما قبل النكبة، ويؤكد أن الجنوب شهد محاولات متكررة لتفريغه، لكنها فشلت. الفشل سيستمر.
أما عن مستقبل الوضع اللبناني، في ظل استعصاء الإصلاح وغياب القرار الوطني الموحد، فالحامض لا يستبعد “فرض وصاية دولية مقنّعة”، إذا ما أقدمت السلطة على أي خطوة ناقصة. يسخر مما وصفه بـ”مدير المدرسة الذي أعطى فرصاً متكررة، ولم يبقَ أمامه إلا الطرد”. بند الفصل السابع، من وجهة نظره، لم يعد احتمالاً نظرياً، بل أصبح “على المشارف”.
وحين انتقل الحديث إلى حكومة نواف سلام، لم يُبدِ الحامض حماسة كبيرة. اعتبر أن ما تحقق من خطاب القَسَم لا يتجاوز 10 إلى 15%، متحدثاً عن عجز واضح في ملفات الخدمات الأساسية: لا كهرباء، لا ماء، لا بنى تحتية، ولا إصلاح إداري فعلي. ويضيف: “قيل لنا إنها حكومة تكنوقراط، لكن الأحزاب تسللت إليها مجدداً، وعطّلت ما تبقى من النيات الحسنة”.
أما المفاوضات الأمريكية – الإسرائيلية، فالحامض يراها من زاوية مغايرة: “الأمريكي لا يخسر، نحن الخاسرون الوحيدون”، يقولها من دون مواربة. أمريكا، وفق منطقه، تملك دائماً خططاً بديلة: Plan A، Plan B، Plan C. أما نحن، فكل فرصة نفوّتها تعني نزيفاً إضافياً. والسبب؟ “منظومة سياسية فاشلة لا تملك قراراً ولا مشروعاً ولا مسؤولية”.
في نهاية الحوار، عاد الحامض إلى مشروعه الإصلاحي، الذي يتحدث عنه منذ أشهر. مشروع يقول إنه أول خطة إصلاح إداري فعلية مكتوبة بصناعة لبنانية خالصة، تتألف من 270 صفحة، وتشكل – بحسب تعبيره – “خارطة طريق لإنقاذ لبنان من أزمته البنيوية”. هذا المشروع، الذي طُرح خلال حفل توقيع في فندق فينيسيا، قُدّم إلى عدد من المرجعيات الدينية والسياسية والأمنية، ولاقى ترحيباً أولياً، على حد قوله.
لكن هل تكفي ورقة إصلاح لتغيير مشهد سوريالي عمره قرن؟
يختم الحامض بالقول: “لأول مرة منذ مئة سنة، لدينا لا مركزية إدارية لا تقسم لبنان، بل تكبّره. إنها صناعة لبنانية خالصة. إذا التزموا بها، أنقذوا لبنان. وإذا رفضوها، فليتحملوا مسؤولية السقوط الأخير.”



