الدكتور ملحم البستاني: نحو دولة المواطنة وإنهاء الطائفية السياسية في لبنان

في رسالةٍ موجّهة إلى السادة النواب، يطرح الدكتور ملحم البستاني رؤيةً إصلاحية شاملة تقوم على بناء دولة حديثة قائمة على الكفاءة والعدالة، بعيدًا عن نظام المحاصصة الطائفية، داعيًا إلى تحمّل المسؤولية التاريخية لإنقاذ لبنان ووضعه على سكة النهوض والاستقرار.
إلى السادة النواب الكرام،
لقد اجتمعتم ومدّدتم ولاية المجلس النيابي في مرحلة دقيقة يمرّ بها لبنان. إنّ خطورة الأوضاع الراهنة لا تحتمل المزيد من الانقسام، بل تتطلّب وحدةً وطنيّة حقيقيّة تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إنّ هذه الوحدة لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ قوانين تُبقي التمييز قائمًا بين مكوّنات الشعب. فالدولة القويّة لا تُبنى بالمحاصصة، بل بالعدالة والمساواة بين جميع المواطنين. لذلك، نتوجّه إليكم بالدعوة إلى تحمّل مسؤوليّتكم التاريخيّة، والعمل على إقرار مجموعة من الإصلاحات الأساسيّة التي توحّد اللبنانيين وتضع البلاد على طريق الدولة الحديثة.
عندها فقط يستطيع لبنان أن يصمد في وجه العواصف، شرقيّة كانت أم غربيّة، وأن يستعيد دوره ورسالته.
إنّ الإصلاح يبدأ من أربع ركائز أساسيّة:
إلغاء الطائفيّة السياسيّة، وبناء دولة المواطنة.
انتخاب رئيس الجمهوريّة والمحافظين مباشرةً من الشعب.
انتخاب النواب وفق الاختصاص واللجان النيابيّة وعلى أساس المحافظات.
ضمان الاستقلاليّة الكاملة للسلطة القضائيّة.
أوّلًا: إصلاح قانون الانتخابات النيابيّة
إنّ قانون الانتخاب هو البوابة التي يدخل منها المواطن إلى الحياة السياسيّة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه السلطة التشريعيّة. لذلك لا يمكن بناء دولة حديثة بقانون انتخاب يقوم على التوزيع الطائفي ويكرّس المحاصصة.
يتألّف المجلس النيابي حاليًا من ستّ عشرة لجنة نيابيّة متخصّصة تعمل على تطوير القطاعات المختلفة، ونقترح إضافة لجنة لمكافحة الفساد، ليصبح العدد سبع عشرة لجنة.
إنّ القانون الحالي لم يأخذ بعين الاعتبار اختصاصات النوّاب ولا دور اللجان، بل ركّز على التوزيع الطائفي، ما أدّى إلى تنافس سلبي بين الطوائف وإلى نظام محاصصة أضعف الدولة وأضرّ بالمجتمع.
لذلك نقترح نظامًا انتخابيًا جديدًا يقوم على الكفاءة والاختصاص، بحيث يترشّح المواطن بصورة فرديّة ضمن لجنة نيابيّة محدّدة وفي أي محافظة من محافظات لبنان التسع، خارج القيد الطائفي ودون التقيّد بمكان القيد، وكأنّ لبنان دائرة انتخابيّة واحدة.
وفي المقابل، يحقّ لكل لبناني بلغ الثامنة عشرة من عمره أن ينتخب مرشّحًا واحدًا فقط، إمّا في مكان قيده أو في مكان سكنه.
وبنتيجة هذا النظام، يتكوّن المجلس النيابي من 153 نائبًا موزّعين على 17 لجنة نيابيّة، تضمّ كلّ لجنة 9 نوّاب من أصحاب الكفاءة والاختصاص، قادرين على التشريع وتطوير القطاعات المختلفة، وعلى صون الدستور وخدمة المجتمع.
إنّ هذا النظام يفتح الباب أمام كلّ لبناني للمشاركة في الحياة السياسيّة وفق كفاءته، بعيدًا عن القيود الطائفيّة واللوائح المغلقة. كما يتيح للجان النيابيّة ممارسة رقابة حقيقيّة على الوزراء والإدارات، ويمنح المواطن القدرة على محاسبة النائب الذي انتخبه في الانتخابات اللاحقة.
ملاحظة:
تُلغى جميع المخصّصات والتعويضات والحصانات للنواب الجدد، ويُستعاض عنها ببدل شهري لائق ينتهي بانتهاء ولاية المجلس.
ثانيًا: انتخاب رئيس الجمهوريّة مباشرة من الشعب
يُنتخب رئيس الجمهوريّة مباشرة من الشعب عبر ثلاث مراحل ديموقراطيّة شفّافة:
المرحلة الأولى:
يترشّح من يرى في نفسه الكفاءة العلميّة والثقافيّة والقدرة على تمثيل لبنان عالميًا، وذلك من أي محافظة من محافظات لبنان التسع، خارج القيد الطائفي.
وينتقل إلى المرحلة الثانية المرشّحون التسعة الذين ينالون أعلى نسبة أصوات في محافظاتهم.
المرحلة الثانية:
تُنظَّم ثلاث حلقات حوار علنيّة تُبثّ مباشرة عبر وسائل الإعلام، حيث يقدّم المرشّحون سيرهم الذاتيّة وبرامجهم ويخضعون لنقاش وأسئلة من الإعلام والرأي العام، ما يتيح للمواطن التعرّف إلى كفاءتهم وقدرتهم القياديّة.
المرحلة الثالثة:
يتوجّه الشعب إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس الجمهوريّة من بين المرشّحين التسعة، لولاية مدّتها أربع سنوات غير قابلة للتجديد.
ثالثًا: الحكومة
يكلّف رئيس الجمهوريّة من يراه مناسبًا لتشكيل الحكومة. ويختار رئيس الحكومة سبعة عشر وزيرًا من خارج المجلس النيابي وفق اختصاص اللجان النيابيّة، ليشكّلوا فريق عمل متكاملًا يعمل على تنفيذ القوانين الصادرة عن المجلس وتطوير القطاعات المختلفة.
وتبقى الحكومة خاضعة لرقابة المجلس النيابي، الذي يملك حقّ إقالة أي وزير بأكثريّة الثلثين في حال الإهمال أو الفساد.
رابعًا: مجلس القضاء الأعلى
تُعزَّز استقلاليّة القضاء عبر انتخاب مجلس القضاء الأعلى من تسعة قضاة منتخبين من بين القضاة الذين أمضوا أكثر من خمس سنوات في السلك القضائي، بحيث يفوز القاضي الحائز على أعلى نسبة أصوات في كل محافظة.
ويتولّى المجلس إدارة شؤون السلطة القضائيّة واتخاذ قراراته بأغلبيّة الثلثين.
خامسًا: المحافظون
يتولّى المرشّحون غير الفائزين في انتخابات رئاسة الجمهوريّة مهام المحافظين في المحافظات التي ترشّحوا عنها، فيما يتولّى صاحب المرتبة الثانية إدارة المحافظة التي فاز منها رئيس الجمهوريّة.
تعديلات دستوريّة مقترحة
أيّ سياسي يحرّض بخطاب طائفي أو مذهبي يُجرَّد من حقوقه المدنيّة.
أيّ موظّف يتصرّف انطلاقًا من اعتبارات طائفيّة يُصرَف من عمله ويُمنَع من العمل في القطاع العام.
لبنان يستحق دولة عادلة، ودولة المواطنة تبدأ بإصلاح القوانين.
عشتم، وعاش لبنان. 🇱🇧



